موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - أصول الاعتقاد عند أهل الحديث - شرح اعتقاد أهل السنة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد أهل السنة لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح اعتقاد أهل السنة
 أصول الاعتقاد عند أهل الحديث
 إثبات صفة اليدين والوجه والسمع والبصر والعلم والقدرة والكلام والمشيئة
 القرآن كلام الله
 أفعال العباد مخلوقة لله والخير والشر بقضاء الله
 مسألة النزول ورؤية المؤمنين ربهم في الآخرة
 حقيقة الإيمان وحكم مرتكب الكبيرة وتارك الصلاة عمدا
 الفرق بين الإسلام والإيمان والقول في الشفاعة والحوض والمعاد والحساب وترك الشهادة لأحد من الموحدين بالجنة أو النار
 عذاب القبر وسؤال منكر ونكير وترك الخصومات والمراء في الدين وخلافة الخلفاء الراشدين
 المفاضلة بين الصحابة وقولهم فيمن يبغض الصحابة
 الجمعة خلف كل إمام مسلم برا كان أو فاجرا والجهاد مع الأئمة وإن كانوا جورة ودار الإسلام وأعمال العباد لا توجب لهم الجنة إلا بفضل الله
 تقدير الآجال والرازق الله وهو خالق الشياطين ووساوسهم والسحر والسحرة
 مجانبة البدع وتعلم العلم والكف عن الصحابة
 لزوم الجماعة ولزوم مذهب أهل الحديث الفرقة الناجية
شرح اعتقاد أهل السنة - أصول الاعتقاد عند أهل الحديث

اعتقاد أهل الحديث

أصول الاعتقاد عند أهل الحديث

نبدأ الآن في قراءة متن العقيدة ويقرأها هشام الشعلان.

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي -رحمه الله تعالى- في بيان اعتقاد أهل السنة:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن مذهب أهل الحديث، أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وقبول ما نطق به كتاب الله تعالى، وما صحت به الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا نعدل عما ورد به، ولا سبيل إلى رده إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة، مضمونا لهم الهدى فيها، مشهودا لهم، بأن نبيهم -صلى الله عليه وسلم- يهدي إلى صراط مستقيم، محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم، ويعتقدون أن الله - تعالى- مدعو بأسمائه الحسنى موصوف بصفاته، التي سمى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه -صلى الله عليه وسلم- خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، بلا اعتقاد كيف.

وأنه -عز وجل- استوى على العرش بلا كيف، فإن الله -تعالى- أنهى إلى أنه استوى على العرش، ولم يذكر كيف كان استواؤه، وأنه مالك خلقه، وأنشأهم لا عن حاجة إلى ما خلق، ولا لمعنى دعاه إلى أن خلقهم، لكنه فعال لما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل، والخلق مسئولون عما يفعلون.

وأنه مدعو بأسمائه الحسنى، وموصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، وسماه ووصفه بها نبيه -عليه الصلاة والسلام- لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، ولا يوصف بما فيه نقص أو عيب أو آفة، فإنه -عز وجل- تعالى عن ذلك.

وخلق آدم -عليه السلام- بيده، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء بلا اعتقاد كيف يداه، إذ لم ينطق كتاب الله - تعالى- فيه بكيف.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسعد الله أوقاتكم بكل خير.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فإني أهنئكم -أيها الإخوة، أيها الشباب- بهذه النية التي دفعتكم إلى هذه المساجد، وإلى هذه الدورات، وإلى تلقي هذه العلوم، فإنها خصلة حميدة، وإنها فائدة عظيمة وحسنة كبيرة، اختص بها من اهتم لطلب العلم لطلب الفائدة، فما أعظمها من فائدة، وما أعظمها من حسنة سواء الذين أتوا من الأحياء السكنية في أطراف الرياض، أو الذين جاءوا من خارج الرياض من البلاد الأخرى، أو الذين جاءوا من خارج المملكة وفارقوا بيوتهم، وأهليهم، وأوطانهم كل هؤلاء نهنئهم بأنها خصلة حميدة، وبأن الله -تعالى- أراد بهم خيرا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم- « من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة »(1) .

ولم يفرق بين الطريق البعيد والطريق القريب، ولا شك أن الطريق البعيد الذي يسلكه فيه يقطع فيه -مثلا- مئات الكيلوات، أو ألوفها أنه أعظم أجرا، حيث إنه عمل على مشقة وصعوبة، والأجر على قدر النصب، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم- لما ذكر فضل العلم قال: «إن العالم ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر »(2) .

وليس العالم هو العالم الرباني، بل كل من علم علما -ولو قليلا- يصدق عليه أنه عالم ولو بآية، أو بآيات، أو بآحاديث، أو بنوع من العلوم، فأنتم يصدق عليكم أنكم علماء، فتستغفر لكم الملائكة، فتستغفر لكم الدواب، حيتان البحر تستغفر لكم، وكذلك تتواضع لكم الملائكة « إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع »(3) فيعني: تتواضع لطالب العلم رضا بما يصنعه، وكذلك -أيضا- فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، الذي يشتغل بالعبادة، يشتغل بالصلوات، وبالتهجد، وبالصيام، وبالركوع، والسجود، وبالذكر، والدعاء، ونحو ذلك ولم يشتغل بطلب العلم وبتعلمه وبالتفقه في الدين بينهما فرق كبير أخبر في هذا الحديث بالفرق بينهما، وأن فضل هذا على هذا كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، لا شك أن هذه خصال حميدة يشجع عليها من تجشم المشقة وصبر على هذه المشقات وواصل التعلم، ونهنئكم بأنكم، وأنتم -والحمد لله- قد حصلتم على علم كبير وكثير، حتى ولو معرفة آية، أو معرفة حديث، يحفظها الإنسان مثلا، أو يعقل معناها، ويفهمه، ويعرف ما تدل عليه، فإن هذا علم كبير لا يقاس بغيره، يفوق غيره ممن فاتته هذه الكلمة، أو فاتته هذه الآية.

الموضوع الذي نتطرق إليه هو موضوع اعتقاد أئمة الحديث، اعتقاد المحدثين واعتقاد أهل السنة جميعا، ولا شك أن اعتقادهم هو اعتقاد الرسل جميعا، فرسل الله -تعالى- من أولهم إلى آخرهم على عقيدة واحدة، لم يختلف واحد منهم عن الآخر في أمر العقيدة، بل كلهم عقيدتهم واحدة، وما ذاك إلا أن هذه العقيدة التي يدعون إليها، ويؤصلونها هي أمور يعقد القلب عليها مما يتعلق بالأمور الغيبية، وما ينتج عنها من الآثار الحسنة، والأصل فيها أنها علوم مستوحاة من كتب الله -تعالى- ومما بلغته رسله.

هذا الأصل أنها مأخوذة من الكتاب والسنة، ومما جاءت به الرسل، الرسل كلهم على معتقد واحد، على عقيدة واحدة ليس بينهم اختلاف ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: « نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد »(4) أولاد علات: هم الذين أبوهم واحد، وأمهاتهم مختلفة بمعنى أن أصل الدين الذي هو العقيدة متفق عليه بين أنبياء الله كلهم، متقدمهم ومتأخرهم.

وأما الشرائع والفروع فيحصل بينها اختلاف بحسب المناسبات ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (5) ولكن أمر العقيدة متفقون فيه، وهكذا جاءت الرسل بأمر هذه العقيدة، وإذا كان كذلك، فمن المهم تعلم هذه العقيدة أن يتعلمها كل مسلم؛ حتى يكون مصدقا لما جاءت به الرسل، ومؤمنا به إيمانا كاملا؛ وحتى يكون متبعا لهم حقيقة الاتباع مقتفيا لآثارهم؛ ليحشر في زمرتهم هذا هو حقيقة أمر العقيدة، أو فائدة العقيدة، ولا شك أن عقيدة أهل السنة، وأئمة الحديث أنها كلها مأخوذة من الوحيين؛ من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسله، عليهم الصلاة والسلام. مأخوذة من الوحيين.

ومعلوم أن الأدلة التي تؤخذ من الوحيين أدلة قطعية قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة لا يتطرق إليها شك ولا توقف، من توقف فيها وشك فيها فهو ضال مضل، من شك في آية من كتاب الله وقال هذه لم تثبت، أو أنكر آية من القرآن، أو أنكر ثبوتها اعتبر مكذبا للرسل؛ لأن من كذب رسولا، فقد كذب الرسل كلهم، ومن كذب بخصلة يقينية مما جاء به الرسول، فقد كذب الرسالة كلها.

فإذاً نقول: إن هذه العقائد مأخوذة من أدلة قطعية؛ وذلك ليطمئن المسلم على صحة معتقده، ويعرف أنه حقا على عقيدة ثابتة راسخة، وأنها هي التي تبعث إلى الأعمال، العقيدة الراسخة الثابتة تنبع عنها الأعمال الصالحة؛ ولأجل ذلك نأخذ أمثلة أن الرسل لما تيقنوا أن ما جاءهم وحي من الله -تعالى- وأنه حق وصدق حملهم ذلك اليقين على أن صدعوا بالحق، وعلى أن قابلوا الأمم بما يكرهون، وعلى أن كلموا أممهم بكلام قوي؛ وذلك لأنهم واثقون بأن ما يدعون إليه كله حق، فنبينا - صلى الله عليه وسلم- لما تيقن أن الوحي الذي جاءه من الله -تعالى- وأنه شرع الله، وأنه دينه، وأنه مرسل به ليبلغه صدع بالحق، ودعا إليه، وأظهره، وأعلنه ولقي من ذلك ما لقي، ولكنه صبر وصابر، فلقي الأذى، ولقي السفه، ولقي المقاطعة ولقي من آذاه بأنواع من الأذى كما هو معروف في سيرته، ولكن ذلك لم يزده إلا تصلبا، إلى أن أظهر الله -تعالى- دينه.

اشتهر عنه - صلى الله عليه وسلم- قوله: « والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك ما جئت به لم أتركه حتى يظهره الله، أو أهلك دونه »(6) أو كما قال.

لا شك أن الذي حمله على ذلك هو يقينه بأنه على حق، كذلك أيضا صحابته -رضي الله عنهم- لما أنهم تلقوا منه العقيدة، تلقوا منه هذه العقيدة، ورسخت في قلوبهم رسخت في قلوبهم، وثبتت أرسى من الجبال، كان لها آثار، آثارها أنهم صمدوا فيها، وصمدوا على هذا الإيمان، وثبتوا ثبوتا يقينيا، وصبروا على فراق الأهل والمال، وصبروا على الأذى الذي لاقوه كما هو منشور في تراجمهم، من تعذيب وضرب ووضع الصخور على صدورهم، وإلقائهم في الشمس مكتفين، وفي النهاية إخراجهم وطردهم من بلادهم، ومن أموالهم إخراجهم منها، ما الذي حملهم على تجشم هذه المشقات؟ هو العقيدة الراسخة الثابتة في قلوبهم.

وكذلك -أيضا- كان من آثارها أنهم اندفعوا يدعون إليها، يدعون إليها بكل ما يستطيعونه، اندفعوا يدعون إلي هذه العقيدة، وإلى هذا الدين حتى وصلوا البلاد البعيدة، وصبروا على الجهاد، وقاتلوا المشركين، وقتلوا من قتلوا، وقتل منهم من قتل، ما الذي حملهم على أن يقطعوا المسافات البعيدة للغزو؟ ما الذي حملهم على أن يقابلوا جيوش الروم وجيوش الفرس، وجيوش الترك، وجيوش الصقالبة، والزنوج، وغيرهم من المشركين الذين هم على أهبة القتال، ومعهم القوة، ومعهم الكثرة والصحابة في قلة وفي ضعف، ولكن معهم قوة الإيمان، ومعهم قوة العقيدة الذي دفعهم إلى أن أفنوا ما يملكونه من الأموال، وأنفقوه، وتعرضوا للقتل، أو تعرضوا لسفك الدماء، لا شك أن الذي حملهم على ذلك هو العقيدة التي رسخت، ورست في قلوبهم، وأشربتها القلوب، وأشربتها الجلود، وأشربتها الدماء والعروق.

فكانت مشربة بلحومهم وبدمائهم، هذا أثر هذه العقيدة في أولئك الصحابة، ويقال كذلك -أيضا- في من كان على هذه العقيدة في قديم الزمان وفي حديثه.

إذا ضعفت هذه العقيدة في القلب كانت عرضة للزوال، عرضة للتزعزع ولأجل ذلك كثير من الناس، الذين لم ترسخ العقيدة في قلوبهم ينحرفون بسرعة، ويرجعون القهقرى، ويكفرون بعد إيمانهم حيث إنهم لم يصلوا إلى اليقين الذي هو اليقين الحقيقي؛ لأن اليقين هو الإيمان كله كما ورد عن بعض السلف، أنهم قالوا: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، فاليقين هو الاعتقاد الصادق.

ذكر الله -تعالى- بعض الناس الذين ما رسخت العقيدة في قلوبهم، فذكر أنهم يتزعزعون، وأنهم ينحرفون قال الله -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ (7) هكذا حالة بعض الناس الذين لم ترسخ العقيدة في قلوبهم، دخلوا في الإيمان مثلا، ولكن دخولهم كتجربة يقولون: ننظر في هذا الدين، فإن جاء بما يوافق أهواءنا، وما نحبه صرنا مع أهله، وإلا رجعنا إلى ما كنا عليه، فإن أصابهم خير: نصر ورزق وفتح ومال، وإقبال الدنيا عليهم، وما يسرهم، وما يحبونه من زهرة الدنيا، ومن زينتها اطمأنوا، وساروا على ما هم عليه على معتقدهم، ولو كان ضعيفا أما إذا ابتلوا، وأصيبوا في أموالهم، أو أبدانهم بشيء من المصائب، فما أسرع رجوعهم، وما أسرع انقلابهم على أعقابهم ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ (7) إذا أصابته فتنة، إذا أوذي، أو اضطهد، أو نحو ذلك.

الله -تعالى- يبتلي العباد حتى يظهر من يكون راسخ العقيدة حقيقة ومن يكون غير صحيح المعتقد، فمثلا بعض الناس يدخل في الإسلام من غير المسلمين، ويجعل ذلك كتجربة، ويقول: ننظر في هذا الإسلام الذي يدعون إليه هؤلاء، فإن جاء بما يوافقنا، وإلا رجعنا إلى بلادنا وعشنا فيها، وعشنا على أدياننا التي كان عليها أسلافنا، قد يسلط الله عليهم ابتلاء وامتحانا، فيسلط الله عليهم الفقر، ويسلط عليهم المرض، ويسلط عليهم الأذى، فإذا جاءتهم هذه المصائب، سبوا الدين، وسبوا هذا المعتقد، وقالوا: ليس في هذا الدين خير، بل منذ أسلمنا ونحن في هذه المصائب، إذا شفينا من مرض أتانا مرض بدله، وإذا سلط علينا إنسان، وتخلصنا منه، تسلط علينا آخر.

نقول: لهم اصبروا وصابروا، وتحملوا ما تلقونه من الأذى، إذا كنتم صحيحا من أهل العقيدة، تحملوا ذلك، ولا تتزعزعوا، ولا ترجعوا عما كنتم عليه، فتخسروا دينكم، وتخسروا حياتكم، فإن البلاء يسلط على الأنبياء وعلى أتباع الأنبياء، كما ورد في الحديث: « لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة »(8) وقال في الحديث: « إن أشد بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة شدد عليه، وإلا خفف عنه »(9) .

فالله -تعالى- ابتلى صحابة نبيه - صلى الله عليه وسلم- عندما أسلموا، وأخبرهم بهذا الابتلاء، ولكن أمرهم بالصبر، اقرأ قول الله -تعالى-:

﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (10) فالذين صبروا واتقوا وتحملوا، ما حملهم على ذلك إلا أن بشاشة الإيمان باشرت قلوبهم، وأن العقيدة الصحيحة ملأت أفئدتهم، وأن الإيمان بالله والإيمان بدينه وبشريعته باشر أفئدتهم، وأشربت به لحومهم ودماؤهم، فعند ذلك صبروا، وقالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما، فنقول: إن هذه آثار العقيدة إذا، فأنت تعرف صادق العقيدة وقوي العقيدة، وتعرف الكاذب وضعيف العقيدة، ولكن لا يعرف ذلك ولا يظهر جليا إلا عند الامتحان، عند الامتحان يكرم المرء أو يهان.

والامتحان هنا معروف إنه من الله -تعالى- إنه يسلط على بعض العباد، قد يكون الأذى والتسليط على المؤمن صادق الإيمان، على راسخ الإيمان، ويكون هذا التسليط، وهذه المصائب التي تصيبه رفعا لدرجاته، وتكريما له وزيادة في حسناته، كما حصل للأنبياء، وقد تكون في حق المؤمن، كذلك -أيضا- رفعا لدرجاته، ولكنها في الحقيقة اختبار وامتحان لكثير من الناس في أمر إيمانهم، هل إيمانهم صادق، وهل هم صادقون أم لا؛ ولذلك قال الله -تعالى-: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) وقال -تعالى-: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (12) فتنا الذين من قبلكم، أتحسبون أنكم تقولون آمنا، وتسلمون من الفتنة؟!! لا بد من الفتنة، ولا بد من الابتلاء.

فالله تعالى يبتلي من يبتليه لماذا؟

ذكر الله هذه الحكمة ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) والعلم هنا علم الظهور، يعني: يظهر معلوم الله -تعالى- فيهم، يظهر علم الله في هذا أنه منافق، وأنه يعبد الله على حرف، ولما جاءه هذا الابتلاء رجع القهقرى، وأن هذا قوي الإيمان ما زادته الفتنة إلا ثباتا ورسوخا، وتقدما فيما هو عليه وصبرا واحتسابا، قلنا: إن هذا من آثار هذه العقيدة، وأن بإمكانك أن تعرف قوي العقيدة وضعيفها، ثم نقول: إن عقيدة أهل السنة وعقيدة أئمة الحديث، هي ما كان عليه سلفهم الصالح.

كلمة السلف: يراد بهم أهل القرون المفضلة، الذين زكاهم النبي - صلى الله عليه وسلم- بقوله في حديث عمران يقول: « خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم »(13) هكذا زكى القرون الثلاثة، وفي حديث آخر أنه قال للصحابة: « أنتم خير من أبنائكم، وأبناؤكم خير من أبنائهم »(6) يعني: فضل الأقدمين، ولا شك أن هذا هو الواقع؛ وذلك لأن الصحابة -رضي الله عنهم- تلقوا هذه العقيدة عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم- فتلقوا عنه الإيمان بالله -تعالى- وبوحدانيته، وتلقوا عنه الإيمان بعظمة الله وبجلال ربهم وكبريائه على خلقه، وتلقوا -أيضا- معرفة حقوقه عليهم، وما يجب عليهم لم يكن ذلك عن واسطة، بل أخذوه عن نبيهم مباشرة بدون واسطة، فلما كان ذلك، كان هذا أكبر سبب في أن قلوبهم تمتلئ بالإيمان، فكان لذلك الأثر البليغ في أنهم كلهم صاروا على هذه العقيدة.

بالتتبع لم يوجد أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- دخل في بدعة، ولا خالف السنة، ولا خالف جماعة المسلمين ولا خرج على أئمة، ولا انتحل نحلة مخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة، بل الصحابة زكاهم النبي - صلى الله عليه وسلم- ولأجل ذلك عدلهم أئمة الحديث كلهم عدول، وما ذاك إلا أنهم تلقوا هذا الوحي من نبيهم - صلى الله عليه وسلم- تعلموا القرآن، وفيه أمور العقيدة، وأمور الشريعة، وتعلموا السنة يقولون: تعلمنا من القرآن، وتعلمنا من السنة، فتعلمهم من السنة إيضاح لما في القرآن من أمور المعتقد، ومن أمور الغيب ولا شك أن هذا التعلم الذي تلقوه مباشرة دليل واضح على أنهم وصل الإيمان إلى قلوبهم، دليل على قوة إيمانهم حيث لم يكن إيمانهم عن تقليد، بل عن اتباع.

تعلمهم من نبيهم - صلى الله عليه وسلم- في زمن قليل، أو في زمن كثير معلوم أن+ بابهم منذ أسلموا بمكة كالخلفاء الأربعة الذين أسلموا بمكة، منذ ذلك الحين إلى أن توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم يتعلمون منه يتعلمون منه العلم، ويتعلمون منه العمل، فكلما نزلت آية، أو آيات علمهم، فإما أن يكتبوها، وإما أن يحفظوها، وشرحها لهم وبين لهم ما تدل عليه.

وهكذا الذين أسلموا بمكة من بقية الصحابة من الذين هاجروا معه إلى المدينة، أو هاجروا قبل ذلك إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، كلهم تلقوا علما جما في مكة وفي المدينة، كذلك -أيضا- الذين أسلموا من أهل المدينة لا شك أنهم تلقوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم- علوما جمة، فيما يتعلق بالشريعة، وفيما يتعلق بالعقيدة، ولم يكن ذلك عن واسطة بل عن مباشرة وقد يكون بعضهم -أيضا- عن واسطة وذلك أن بعضهم قد ينشغل؛ ولحرصهم على العلم يسئلون عنه غيرهم.

ذكر ذلك عمر -رضي الله عنه- لما كان نازلا في العوالي، كان هو وجار له من الأنصار يتناوبان الدخول، أحدهم. .. يدخل أحدهم يوما فيأتي بما حصل، وما حدث، ويأتي الثاني في اليوم الثاني بما حصل، هكذا ذكر ذلك عمر -رضي الله عنه- من حرصهم على تلقي العلم.

إذا كان أحدهم -مثلا- في تجارته، أو في دكانه، أو في بيعه وشرائه يوما فاليوم الثاني يتفرغ حتى يلازم النبي -صلى الله عليه وسلم- ويتعلم منه.

كان النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا كان في المدينة كل يوم غالبا يجلس في المسجد، يكون عنده حلقة، أو حلقات يعلمهم، يوجههم، ويشرح لهم، ويلقنهم، ويقص عليهم، وهم مصغون إليه مصغون يستمعون ما يقول، ويتعقلونه، وإذا أشكل عليهم شيء استفصلوا واستفسروا عنه، فحياتهم وقت نبيهم - صلى الله عليه وسلم- كله علم، وهكذا إذا سافر سافروا معه إذا سافر لغزو، أو لحج، أو لعمرة لازموه ملازمة الظل، ولم يتخلفوا عنه، كل ذلك حرص على طواعيتهن وحرص على تحمل شريعته؛ ليكونوا من أهلها لا شك أن هذه الممارسة، وهذه الملازمة القوية أثرت في قلوبهم، وأثرت في عقائدهم؛ فلأجل ذلك صارت عقائدهم ثابة لم تتغير، إلا ما كان من المنافقين، الذين ذمهم الله -تعالى- وذكر نفاقهم.

فمن هؤلاء المنافقين لم يكونوا من المؤمنين؛ لقول الله -تعالى-: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (14) في صفة المنافقين ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (15) لكن الراسخون في العلم وبالأخص من المهاجرين، وكذلك من الأنصار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، هؤلاء ثبتهم الله -تعالى- ولم يتزعزعوا، ولم ينقل عنهم مخالفة في أمر هذه العقيدة، وبعد أن رأوا حاجة الناس إلى هذا العلم الذي هو علم الاعتقاد لم يسكتوا، بل علموا تلامذتهم، وأولادهم، وأحفادهم علموهم أمر هذه العقيدة، ورسخوها في قلوبهم خوفا عليهم من الفتن، وخوفا عليهم من التغير بالشبهات، فتتلمذ عليهم تلامذة كثير، وتلقوا عنهم هذا العلم الجم، في المدينة وفي الكوفة وفي الشام وفي مكة وفي غيرها، وتلامذتهم قاموا مقامهم، ومن أشهر التلامذة في المدينة الفقهاء السبعة، الذين اشتهروا بهذا الاسم "الفقهاء السبعة" نظمهم بعض العلماء بقوله:

إذا قيل من في العلم سبعة أبحر *** روايتهم ليست عن العلم خارجه

فقل هم عبيد الله عروة قاسم *** سعيـد أبو بكر سلـيمان خارجه

هؤلاء السبعة هم فقهاء المدينة، وأكثرهم من قريش، وفيهم من ليس من قريش، ففيهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عمه عبد الله بن مسعود من هزيل، فيهم عروة بن الزبير من أكابر قريش ابن الزبير، وفيهم القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فيهم سعيد بن المسيب من بني مخزوم من أكابر قريش، فيهم أبو بكر بن الحارث بن هشام... أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، يعني: جده الحارث بن هشام أخو أبي جهل من بني مخزوم، من الذين حملوا العلم، وفيهم سليمان من الموالي سليمان التيمي من الموالي، وفيهم خارجة بن زيد بن ثابت من الأنصار.

هؤلاء تلامذة للصحابة، هم قدوة لمن بعدهم، لم يدخلوا في شيء من البدع، ولم ينقل عنهم شيء من المخالفات، بل هم من حملة العقيدة، ومن الذين بلغوا العلم، ونفع الله -تعالى- بعلمهم نفعا كبيرا.

وهكذا -أيضا- بالكوفة تتلمذ على ابن مسعود -رضي الله عنه- تلامذة أفذاذ علماء، أخذوا عنه واختصوا بالعلم به، العلم الصحيح؛ وذلك لأن عمر -رضي الله عنه- أرسله إلى الكوفة لما رأى الجهل العميق بالمسلمين الجدد بالعراق، فأرسله وآثرهم به على نفسه، لا شك أنه -رضي الله عنه- كان محترما عندهم وموقرا؛ وذلك لطول صحبته مع النبي - صلى الله عليه وسلم- فنفع الله -تعالى- به، وتتلمذ عليه خلق كثير من فقهاء التابعين بالكوفة، ويعرفون بأصحاب ابن مسعود، وعليهم يعتمد -أيضا- الفقهاء هناك أتباع أبي حنيفة، غالبا أنهم يعتمدون أقوال أصحاب ابن مسعود -رضي الله عنه- كعلقمة والأسود، وعبيدة السلماني، وإبراهيم النخعي، ونحوهم من حملة العلم.

وهكذا -أيضا- تتلمذ على أنس ابن مالك في البصرة علماء أجلاء، ومن أشهرهم الحسن بن أبي الحسن، الحسن البصري -رحمه الله- فما أعظم أثره على المسلمين، وما أكثر الذين تأثروا به، وانتفعوا، نفع الله -تعالى- به ورزقه علما جما، وكذلك -أيضا- محمد بن سيرين، سيرين مولى لأنس مملوك له أعتقه، ولما أعتقه رزق الله سيرين بأولاد علماء، منهم أنس بن سيرين سماه باسم مولاه، ومنهم محمد بن سيرين، ومنهم حفصة بنت سيرين، هؤلاء -أيضا- نبغوا في هذا الزمان، فنفع الله -تعالى- بهم.

فنعرف بذلك أن التابعين -رحمهم الله- قد حفظوا السنة، وحفظوا العقيدة، تلامذة الصحابة أخذوا عن الصحابة -رضي الله عنهم- وكيف لا يكونون أئمة مقتدى بهم، وهم قد تلقوا العلم عن معدنه الأصلي، الذي هم صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم- وغيرهم كثير، يعني: بمكة -أيضا- علماء أجلاء كعطاء بن أبي رباح تلميد لعبد الله بن مسعود، وباليمنطاووس بن كيسان تلميذ -أيضا- لابن عباس قرأ عليه، ولو كان في اليمن، وحفظ عنه كثيرا، وكذلك -أيضا- في كثير من البلاد تلامذة للصحابة حفظ الله -تعالى- بهم العلم، مثل هؤلاء يعتبرون -أيضا- قدوة.

لأجل ذلك كان التابعون هم في المرتية الثانية بعد الصحابة.

قد تقول: إنه حدث في التابعين بدع، نقول: صحيح، ولكن أولئك المبتدعة الذين انتحلوا بدعا من التابعين، لم يكونوا من تلامذة الصحابة غالبا، وإنما أخذوا بدعهم هذه عن أفكار سيئة، وعن تأويلات بعيدة.

معلوم أن الخوارج الذين خرجوا في سنة ست وثلاثين من التابعين؛ لأنهم من جيش علي، وأغلبهم من أهل العراق الذين فيها مجموعة كبيرة من الصحابة، ومع ذلك فإنهم خوارج، ولكن من المشهور منهم؟ ليس فيهم مشهور بالعلم، وليس فيهم من تتلمذ تتلمذا صحيحا على الصحابة، وإنما أنهم قرءوا القرآن، ولما قرؤوه لم يقرءوا تفاصيله، ولم يقرءوا تفسيره، ولم يقرءوا معانيه، فأخذوا الآيات التي فيها عذاب فطبقوها على أهل زمانهم، فكان من عقيدتهم -كما سيأتي- أنهم يجعلون الذنب كفرا والعفو ذنبا.

فلا نشتغل بهم نقول: ولو كانوا من التابعين، لكنهم ما قرءوا العلم ما قرءوا العقيدة الصحيحة، حتى يكتبوا من حملة العلم، وإنما أخذوها من نظرياتهم، ومن أفكارهم، وكذلك -أيضا- القدرية الذين حدثوا في آخر عهد الصحابة، وأدركهم ابن عمر -رضي الله عنه- لم يكونوا مشهورين بالتتلمذ على الصحابة ولكنهم -غالبا- إنما اعتقادهم عن أفكار سيئة، وأغلبها سوء معرفتهم وسوء نظرهم في الآيات، وحملها محامل بعيدة.

فإن من عقيدتهم إنكار علم الله السابق، وأن الله لا يعلم الأشياء حتى تحدث، هؤلاء مثل غيلان القدري، ومعبد الجهني، وعمرو بن عبيد ما عرف أنهم تتلمذوا على صحابي، وأخذوا عنه العلم الصحيح، فعرف بذلك أن تلامذة الصحابة الذين تلقوا العلم عنهم الصحيح، أصبحوا ورثة لهم، والعلماء ورثة الأنبياء فأصبحوا مثالا لهم، وأن الذين أخذوا العلوم من أفكارهم حصل في قلوبهم زيغ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (16) نعوذ بالله من زيغ القلوب، فهذا -بلا شك- دليل على أن العلم الصحيح الذي يؤخذ من معدنه، يثبت في القلب ويكون له آثار حسنة.

بعد ذلك معلوم أن التابعين صار لهم تلامذة، وصاروا يبثون العلم الصحيح، ولكن معلوم أنه في القرن الثاني بعد انقراض عهد الصحابة دخل في الإسلام بعض من ليسوا راغبين فيه، فكان من آثار دخولهم في الإسلام من غير صدق، ومن غير يقين أن أثاروا كثيرا من الشبه، وأوقعوا كثيرا من الناس في الحيرة، وشككوهم في عقائدهم وشككوهم في مبدأ أمرهم، ومنتهاه، ونشروا بينهم شبهات الفلاسفة وشبهات المنجمين، وشبهات الزنادقة والملاحدة، ونحوهم.

أثاروا تلك الشبهات فيما بينهم فانخدع بها كثير، فلما رأى السلف -رحمهم الله- تلامذة التابعين، وتلامذة الصحابة رأوا هذه الآثار في هؤلاء المنحرفين، لم يجدوا بدا من أن يصدعوا بالسنة، وأن يظهروا أمر العقيدة، وأن يصرحوا للناس بما هم عليه حتى يعرف جماهير الناس العقيدة السليمة، فيتمسكوا بها، ويعرفوا أن من خالفها فإنه بدعة، ونحلة سيئة، فهذا -مثلا- الأوزاعي أبو عمرو عبد الرحمن الأوزاعي إمام المسلمين في عهد تابع التابعين في الشام، يقول -رضي الله عنه-: كنا والتابعون متوازرون نقول: إن الله -تعالى- فوق عرشه فوق سماواته، ونؤمن بما جاء في كتاب الله من الصفات، ما الذي حمله على أن يصدع بهذا، ويذكر الإيمان بأن الله فوق عرشه، والإيمان بما جاءت به النصوص والآيات، حمله على ذلك ما فشا في زمانه من هذه البدع التي خشي منها على تلامذته، وعلى زملائه أن يقعوا فيها، فيكونوا منحرفين مخالفين للمعتقد السليم، وهكذا -أيضا- غيره من السلف من تابعي التابعين.

الأوزاعي توفي سنة سبع وخمسين ومائة، أي في وسط القرن الثاني، وهو من كبار تابعي التابعين، ومثله -أيضا- الإمام مالك بن أنس عالم المدينة، فإنه اشتهر عنه من الإيمان بالصفات الشيء الكثير، مثل تفسيره للاستواء بقوله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

ومثل ما صرح به من قوله: نقول: إن الله -تعالى- على عرشه، إن الله -تعالى- في السماء فوق عباده، وعلمه مع جميع العباد.

ما صرح بذلك إلا لما اشتهرت البدع في ذلك الزمان، وكثر الذين يتحدثون بها، فكان ذلك سببا في أن السلف -رحمهم الله- أوضحوا ما يعتقدونه؛ ليكون تلامذتهم على بصيرة؛ وذلك لأن المبتدعة ما سكتوا، بل أخذوا ينشرون عقيدتهم، فالجهمية -مثلا- صرحوا بأن القرآن مخلوق، وأن الله - تعالى- لا يتكلم، وأن الله لا يحب ولا يبغض، وأن الله ليس على عرشه، وليس فوق السماء، وليس فوق العرش إله يعبد.. إلى آخر ذلك من تصريحاتهم التي تقشعر منها الجلود.

لما سمع السلف -رحمهم الله- ذلك أفصحوا بما أفصحوا به، ذكروا أن بعض السلف -رحمهم الله- حبس جهميا، أو زنديقا على هذه الزندقة، بقي أياما في السجن يمتحن، فقيل له: إنه قد تاب، فقال: ائتونا به؛ لنسأله هل صحح التوبة أم لا؟ فاختبره، فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه، فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه، فقال: ردوه إلى السجن، فإنه لم يتب.

وذلك لأن هذا لا بد منه، لا بد من الإيمان بهذا الاعتقاد كله، أن الله -تعالى- على عرشه، وأنه بائن من خلقه، يعني: أنه ليس مختلطا بهم، كما يقوله كثير من الجهمية والحلولية ونحوهم، تعالى الله عما يقولون.

لذلك اهتم السلف -رحمهم الله تعالى- بأمر العقيدة، نقل شيخ الإسلام في "الحموية" رسالة نحو صفحتين، أو ثلاث صفحات، أو أربع صفحات عن عالم من علماء المدينة في زمن الإمام مالك هو عبد العزيز بن الماجشون إذا قرأت هذه الرسالة، عرفت بذلك أن السلف -رحمهم الله- أولا: يحبون العمل بالدليل، ويتقيدون به، وأنهم يصرحون بما يعتقدونه، ويذكرون ذلك ذكرا صريحا، وأنهم يردون، وينكرون على كل المبتدعة، ويضللونهم، ويسفهون أحلامهم، وينكرون إنكارا بليغا على من رد شيئا من أمر الله -تعالى- أو أمر رسوله، أو خالف المعتقد السليم.

في القرن الثاني ابن الماجشون، في زمن الإمام مالك ذلك دليل على أنه قد بدأت البدع تظهر، وبدأت تظهر أعناقها، وبدأ أهلها يتمكنون، ولكن الحق حق، والحق أقوى، وأهل الحق أقوى وأكثر وأقوى حجة. هذا في ذلك الزمان، أما في آخر القرن، في آخر القرن الثاني قويت بدعة الجهمية؛ وذلك لأنهم صاروا يقتنصون الجهلة، فيلقون عليهم تلك الشبهات، فيشبهون بها على طوائف كثيرة من الجهلة، ومن ضعفاء الإيمان، فيشككونهم في أمور المعتقد فظهر في ذلك الزمان كثير من الزنادقة الذين هم منافقون، إيمانهم متزعزع، ولكن انتبه لهم الولاة وانتبه لهم الأئمة، وصاروا يحذرون منهم، فيقولون: فلان متهم فلان زنديق.

ذكروا في التاريخ أن الخليفة المهدي أحضر واحدا من أولئك الزنادقة، ولما استفصل منه وجدت قرائن، ونقول كثيرة، تدل على أنه منافق، وأنه ليس بمؤمن، وأنه يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وأنه شاك في أمر الله -تعالى- وفي أمر البعث، فعند ذلك أمر بقتله، فلما تحقق أنه مقتول قال: أيها الخليفة، كيف تفعل بأربعة آلاف حديث كذبتها، ونسبتها إلى نبيكم، وبثثتها في الناس، أنا قد أفسدت عليكم دينكم، وقد أفسدت عليكم عقائدكم بهذه الأحاديث، التي بثثتها.

ماذا قال الخليفة رحمه الله؟ قال: تعيش لها نقادها، أي: أن الله -تعالى- وفق هذه الأمة أن جعل فيهم علماء يميزون الأحاديث، ويعرفون الصحيح من السقيم، ويميزون المكذوب من الصادق؛ وذلك لمعرفتهم بكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم- ولمعرفتهم بما كان يدعو إليه، وبما تهدف إليه شريعته.

هذا دليل على أن هناك من استفحل منه الشر، وشكك الناس في أمر العقيدة، وبالأخص في الإيمان بالله، كثر في ذلك الزمان الزنادقة الذين ينكرون وجود الله -تعالى- أو ينكرون البعث كالفلاسفة، أو ينكرون الحشر، حشر الأجساد مثلا، كالفلاسفة الذين ينكرون البعث الحقيقي، أو ما أشبه ذلك، ولما كثروا اهتم بهم السلف -رحمهم الله تعالى- وبالغوا في الرد عليهم إلى أن انقمعوا وظهر أمر الله. ..

إن قلنا: هذه المقدمة فيها نستدل بها على آثار العقيدة، ونستدل بها على أن العقيدة الصحيحة التي تلقاها الصحابة عن نبيهم -صلى الله عليه وسلم- وتلقاها تلامذتهم عنهم، وتلقاها تابعو التابعين عن التابعين، هي التي بقيت، وهي العقيدة الصحيحة، وأن العقائد المنحرفة الزائغة، أنها لم تؤخذ من كتاب الله حقا، ولو استدلوا ببعض الآيات على غير مدلولها، ولم تؤخذ من السنة، ولم تؤخذ من الصحابة ولا من تلامذة الصحابة، ولا من تلامذة تلامذتهم، وإنما أخذت من أفكار وقلوب زائغة منحرفة، هذا به يستدل على أن العقيدة أنها ما كان عليه السلف -رحمهم الله- وهم في الحقيقة أئمة الحديث، كما هو عنوان هذه الرسالة "اعتقاد أئمة الحديث" وذلك لأن الصحابة تلقوها، ونقلوها كأحاديث.

والتابعون -أيضا- تلقوها عن الصحابة، ونقلوها كأحاديث، وكذلك -أيضا- تابعوهم تلقوها، ونقلوها، وحدثوا بها، فكانوا ينقلونها كأحاديث فيقول أحدهم -مثلا-: حدثنا، يقول: حدثنا محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر قال: حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ويذكر حديثا كحديث النزول وكحديث الرؤية، فإذًا هي أحاديث، فأصبحت عقيدة أهل الحديث، إذًا أصبح أهل الحديث هم القدوة الذين يقتدى بهم؛ وذلك لأن المبتدعة لم يكونوا من أهل الحديث.

لو نظرنا -مثلا- في سيرة عمرو بن عبيد وبشر بن غياث المريسي والجهم بن صفوان وابن أبي دؤاد، ونحوهم من الجهمية، أو المعتزلة، لم نجد لهم حديثا لم نجدهم ممن روى الأحاديث، بل لا يرون إلا ما يوافق أهواءهم، أو ما يناسب بدعتهم؛ ولأجل ذلك لا تقبل أحاديثهم.

والغالب أن الأحاديث التي يروونها لم تثبت، بل إنها مكذوبة، أو موضوعة، أو أنها ضعيفة لأجل من فيها من المبتدعة، فأصبح أهل الحديث هم أهل العقيدة السلفية، وهم الفرقة الناجية المنصورة ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله »(17) .

سئل الإمام أحمد من هم هذه الطائفة؟ قال: إن لم يكونوا أهل الحديث، فلا أدري من هم، أو فلا أعرفهم. صحيح أنهم أهل الحديث، إذا لم يكن أهل الحديث من الفرقة الناجية، فمن هم؟

أهل الحديث هم صحب النبي وإن *** لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا

يعتبرون كأنهم صحابة؛ لأنهم صحبوا أنفاسه، الكلام الذي يروونه، ويتناقلونه هو الكلام الذي نطق به، وفيما بين كلماته أنفاسه التي تنفس بها وهو يتكلم، فيعتبرون كأنهم الصحابة على حد كلام هذا الشاعر:

أهل الحديث هم صحب النبي وإن *** لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا

فلذلك يعرف أن أهل الحديث حقا، هم الذين انتحلوا هذه النحلة، واعتقدوا هذه العقيدة، ولعلنا في الدرس الآتي، وفي بقية الأسابيع -إن شاء الله- نبدأ في هذه العقيدة، وإذا كملناها نقرأ معها ما تيسر.

والآن نستمع إلى بعض الأسئلة.

س: سائل يقول فضيلة الشيخ: ذكر بعض الكتاب في الفرق أن عبد القادر الجيلاني الإمام السلفي، هو أول من أنشأ طريقة صوفية، فهل هذا صحيح، بين لنا بارك الله فيكم؟

ج: عبد القادر الجيلاني عالم، ومن علماء الحنابلة، يذكر في تراجم الحنابلة، ولكن انشغاله بالطرق حال بينه وبين انشغاله بالحديث، فهو من أهل الطرق، ومن أهل العبادات القلبية انشغل بالعبادات القلبية وبالزهد وبالتصوف، يعني: عبادات الصوفية؛ لذلك لما اشتهر بأنه من الصوفية تعلق به المتصوفة وصاروا يتوافدون إليه من أماكن بعيدة، هم أعجبوا بعبادته وبزهده وبتقشفه، مما كان سببا في أن علقوا عليه تعليقات، وتلك التعليقات لا صحة لها، وحكوا عنه حكايات ليست واقعية، بل هي مكذوبة.

ولما اشتهرت تلك الحكايات، وتلك الطرق، وتلك القصص التي كتبت عنه، وتناقلها عنه الصوفية لما اشتهرت عنه، كثر الذين يعتقدون فيه أنه ولي، وأنه من سادات الأولياء، مما حمل كثيرا من الجهلة على أن عبدوه مع الله، واعتقدوا فيه اعتقادات سيئة، حتى أتذكر أني كنت في عرفة، يوم عرفة وعند جبل الرحمة، وإذا هناك واحد من السودان، يظهر أنه من علماء دولة السودان، وإذا هجيراه وديدنه يا عبد القادر، أنجنا يا عبد القادر، خذ بأيدينا، يا عبد القادر، أنت ملاذنا، يا عبد القادر، يا عبد القادر.

تكلمت معه، فقابلني بقوله: أنا أقول: إنه لا تنزل قطرة من السماء إلا إذا أمر بها عبد القادر، وأنه لا تنبت حبة في الأرض إلا بعد ما يأذن فيها عبد القادر، سبحان الله ‍‍‍‍، هذا -بلا شك- من آثار تلك الحكايات التي نشرها هؤلاء الجهلة.

عبد القادر -لا شك- أنه دخل في الصوفية، وأنه وقعت منه شيء من الحكايات، لكن لم يصل إلى تلك المرتبة هو عبد من العبيد، ولد كما ولد غيره، ومات كما مات غيره.

س: وهذا يقول: أشكل علي كون دعوة الرسل في العقائد واحدة، مع قول الله -تعالى-: ﴿ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (18) قال بعض أهل العلم: إن ذلك كان في شريعة من قبلنا جائز، ومع سجود إخوة يوسف، وأبويه له، بين لنا الإشكال، جزاكم الله خيرا؟

ج: هذا جهل، جهلوا الذين قالوه، الذين اتخذوا مسجدا على تلك القبور، على قبور أهل الكهف، ليسوا من الرسل، وليسوا من أتباع الرسل، بل هم مشركون، مشركون كما صرح الله -تعالى- عنهم، في هذه السورة سورة الكهف يقول الله -تعالى- عنهم: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ (19) ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ (20) ثم يقول: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (21) اعتزلتموهم واعتزلتم معبوداتهم إلا الله، فأووا إلى الكهف، ثم يقول: عنهم ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ (22) إذًا فهم كفار لا غرابة أن هؤلاء الكفار بنوا مسجدا على هؤلاء الذين اعتقدوا أنهم أولياء، فبناء المساجد على القبور ليس من شرائع الأنبياء، وإنما فعل ذلك هؤلاء المشركون.

أما سجود إخوة يوسف، فيظهر أنه سجود تحية، وليس هو السجود الذي يكون بوضع الوجه على الأرض، ويمكن أن هذا كان جائزا، وأنه ليس سجود تعظيم، وإنما هو احترام.

س: وهذا يقول: ما الفرق بين هذه الألفاظ إذا أطلقت على عمل: أنه بدعة، أو مخالف للسنة، أو غير مشروع، وما الضابط في ذلك؟

ج: البدعة هي المحدثة في الدين، فإذا قيل: هذا بدعة، فالغالب أنها من القربات التي يتقربون بها، وليس لها أصل في الدين ولا في الشريعة، وإنما هي من المحدثات سواء كانت في العقائد: كالتكفير بالذنوب، اعتقاد الخوارج، وكذلك اعتقاد الخروج على الأئمة كقول المعتزلة، وكذلك اعتقاد التكفير بالذنب، ونحو ذلك، أو في الفروع: كبدعة الموالد، الذين يحيون المولد النبوي، أو يصلون أول ليلة جمعة من رجب، ويسمونها صلاة الرغائب، أو يحيون ليلة خمس وعشرين منه، ويسمونها ليلة الإسراء، كل هذه يقال لها: بدع.

أما غير مشروع: فيراد به أنه لم يأت به دليل واضح، وإن لم يكن يعني: منهيا عنه نهيا صريحا، وإن وجد ما يدل على مشروعيته، لكنه ليس دليلا قويا، فيقال -مثلا- رفع اليدين بعد الفريضة مباشرة غير مشروع، ولو وجد أدلة تدل على رفع اليدين عند الدعاء، ويقال: صلاة أربع ركعات بسلام واحد غير مشروع؛ لأن الأصل السلام من كل ركعتين، وأشباه ذلك، فتعبيرات السلف، وتعبيرات العلماء بحسب قوة الدليل، أو عدمه.

س: وهذا يقول يذكر بعض العلماء أن عبد الله بن أبي معيط، وهو من الصحابة من كبار الخوارج، فهل هذا صحيح، وكيف يعتذر عنه أفادكم الله؟

ج: لا أذكر أن لابن أبي معيط ابن اسمه عبد الله، إنما له ولد اسمه عقبة عقبة بن أبي معيط.. عتبة ولد عقبة بن أبي معيط، فعقبة قتل في غزوة بدر، أما ولده فلم يكن من الصحابة، فيما يظهر، يظهر أنه كان صغيرا ولم يحكم بأنه من الصحابة، ولكن لقرابته كونه من قريش تولى الإمارة في خلافة عثمان على بعض بلاد العراق، وذكروا عنه أنه شرب الخمر، ثم إن عثمان -رضي الله عنه- أقام عليه الحد، فأمر عليا فجلده، جلده أربعين جلدة لشربه الخمر لثبوت ذلك عليه، ولم يذكر عنه أنه من الخوارج، ولا أنه من الخارجين على الأئمة، ولا غير ذلك.

س: وهذا يقول: تذكر كتب المصطلح رواية المبتدع، وهذه مقولة أم لا؟ والخلاف فيها وشروط قبول هذه الرواية، فما توجيهكم لذلك، ألا يعتبر هؤلاء من العلماء؟

ج: البدع إما تكون مكفرة، أو مفسقة، فالبدعة المكفرة لا يقبلون رواية صاحبها، ولا كرامة؛ وذلك لأنهم يعتقدون أنه ليس من المسلمين فكيف يكون عدلا؟ أما البدع المفسقة، فيقولون: ننظر في ذلك المبتدع، فإذا كان داعية من الدعاة إلى الرفض، أو من الدعاة إلى الاعتزال، أو إلى الجبر، أو إلى التعطيل، أو إلى التجهم، أو إلى الإرجاء، أو نحو ذلك لم نقبل روايته ولا كرامة، ولو كان حافظا، ولو كان متقنا.

وإذا روى حديثا يقوي بدعته التي ينتحلها لم نقبله؛ لأن العادة أنه يتساهل فيما يتعلق بمذهبه وبمعتقده، أما إذا عرف منه الصدق ولم يكن من الدعاة إلى بدعته، وروى ما لا يقوي بدعته ولا صلة لها بذلك، فإنه يروى عنه من باب الحرص على إثبات العلم، ففي صحيح البخاري روايات كثيرة عن شيخ له اسمه عبيد الله بن موسى القواريري، هذا رمي بالتشيع، ولكن التشيع في ذلك الزمان ليس هو مثل الرافضة في هذا الزمان، الذين يعبدون أهل البيت، ويكفرون الصحابة، ويطعنون في القرآن، ويطعنون في السنة، بل هو يروي أحاديث، أحاديث في السنة وفي فضائل الصحابة، فروى عنه البخاري، وسبب ذلك علو السند؛ لأنه من المعمرين فيروي عنه إيثارا لعلو السند.

س: وهذا يقول: أحل الله لنا ذبائح أهل الكتاب، ولكن من المعلوم أن بعضهم يعتقد أن عيسى ابن الله، فهل تؤكل ذبيحة مثل هؤلاء؟

ج: نعم أحل الله -تعالى- الذبائح، ولكن بشروط منها أن يكونوا كتابيين حقيقة، ففي زماننا هذا يتسمون بأنهم كتابيون، وليسوا كذلك، والله إنما قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ (23) .

ومنها أن يذبحوا ذبحا شرعيا أن يذبحو بالسكين الحادة في موضع الذبح، وهذا هو ما كانوا عليه، ومنها أن يذكروا اسم الله عند الذبح؛ وذلك لأن هذا من شريعتهم، المتمسكون بشريعتهم الأصلية بالنصرانية الأصلية وباليهودية الأصلية من عقيدتهم، ومن دينهم عدم حل ما مات حتف أنفه، وعدم حل ما لم يذبح في الحلق، وعدم حل ما لم يذكر اسم الله عليه فهم لا يأكلون إلا ما ذكر اسم الله عليه، وكذلك -أيضا- لا يأكلون في شريعتهم إلا ما ذبح ذبحا صحيحا، فإذا وجد في هذه الأزمنة من يذبح ذبحا غير شرعي، ولو قال: إنه كتابي، بل ولو قال إنه مسلم، فلا تؤكل ذبيحته كالذين يذبحون بالصعق الكهربائي مثلا، أو يذبحون بالغمس في الماء الحار مثلا، ثم يقطع الرأس بعد الموت، أو يذبحون -مثلا- بالضغط، الذين يضغطونها إلى أن تموت، ويحافظون على أن يبقى دمها فيها حتى يزيد في وزنها، لا شك أن هؤلاء ليسوا كتابيين حقيقة، أما لو كانوا كتابيين متمسكين، حتى ولو قالوا: إن عيسى هو ابن الله، فإن العبرة بالذبح أما عقائدهم فلهم.

س: السؤال الأخير يقول: ما حكم بيع الدم، وما الحكم لو ذهب إنسان إلى مركز التبرع بالدم، وهو يعلم أن الذي يعطيهم دما يعطونه هدية عينية مقابل ذلك، وما الحكم لو كانت الهدية دراهم بدلا من الهدية، هل يعتبر بيعا أم يعتبر عطية وهدية مقابل ذلك الدم، وجزاكم الله خيرا؟

ج: لا أعتقد أن هذا من الضروريات، يعني: أصبح الإنسان كثير من المرضى يعوقه المرض، حتى ينشف دمه يكون من أثر ضعف الدم، وضعف البنية، وضعف تركيبه، وضعف حالته وازدياد مرضه، فلا جرم أبيح بالطب الحديث أن يؤخذ له دم من آخر، ويجعل أو يغذى به إلى أن يعيش، ولما كان كذلك كان هذا الدم يمكن أن يقال له: له قيمة؛ ذلك لأن صاحبه قد يصيبه شيء من الضعف، ومن الوهن بعد إخراجه منه، فنقول: على مقتضى هذه القاعدة نقول: لا بأس، لا بأس بأخذ هدية، ولكن يكره أن يبيعه، وأن يقول: خذوا مني بكذا وكذا، أما إذا أعطوه بدون فرض، فلا مانع من أخذه ذلك، إن شاء الله.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.

قد ذكرنا في خروج البدع، أن أخف البدع التي خرجت هي بدعة الخوارج، وهي أول البدع وجدت، وجدت في سنة ست وثلاثين من الهجرة، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بخروجهم، وأخبر بأن الصحابة يحقرون من صلاتهم مع صلاتهم وصيامهم مع صيامهم، وأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وأنهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وأمر بقتالهم وقال: « إن لقيتموهم فاقتلوهم، وإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم »(24) وقال: « لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم ».

وقاتلهم الصحابة -رضي الله عنهم- الذين مع علي، ثم إنهم استمر الخوارج في القتال.

قد ذكرنا أن عقيدتهم إنما هي في التكفير فقط، وهي أنهم بالغوا في أخذ آيات الوعيد، وتمسكوا بها تمسكوا بآيات الوعيد، فصاروا يطبقونها على كل من فعل ذنبا، فيخرجونه من الإسلام.

عقيدتهم التكفير لم يذكروا خلافا عنهم في الأسماء والصفات، ولا في البعث والنشور، ولا في أسماء الإيمان، والدين إنما فقط أنهم كفروا، ومن جملة من كفروه أصحاب علي، الذين مع علي ادعوا أنهم بالتحكيم ارتدوا عن الإسلام، فهذه أول بدعة.

لا شك أنهم بعد ذلك تغيرت عقائدهم، وأخذوا من عقائد المبتدعة الآخرين، حدثت بعد ذلك بدعة القدرية، وهم الذين ينكرون العلم السابق، ثم حدثت بعدهم بدعة التعطيل، أو بدعة الاعتزال، وهي بدعة إنكار الصفات، كان حدوثها في أول القرن الثاني، ولما انتشرت هذه البدعة، وانتشر أهلها الذين يعطلون الله -تعالى- عن الصفات صفات الكمال، والذين ينكرون أن يوصف بما وصف به نفسه، والذين يبالغون في إنكار الصفات أنكر عليهم السلف إنكارا بليغا، وبدعوهم وشنعوا بهم، وحذروا منهم، وصار أكثر كلام التابعين، وتابعي التابعين في التحذير من هذه البدعة، التي سموا أهلها جهمية؛ وذلك لأن أول من انتشرت عنه الجهم بن صفوان، وهو الذي نشر هذه العقيدة بدعة إنكار الصفات.

ولا شك أن كتب السلف -رحمهم الله- تعالج هذه البدع كلها، تجدون في كتب أهل السنة علاجا لها، فمن أهل السنة الذين كتبوا في ذلك من يذكر العقيدة مجردة يقول: نعتقد كذا، ونعتقد كذا وكذا، ولا يذكر مناقشة، ولا يذكر أقوال مبتدعة، ومنهم من يذكر البدع، ويذكر الرد عليها، سواء كانت تلك البدع شبهات أو نحل يناقشونها، ويبالغون في الرد على أهلها، ومنهم من يقتصر على الأدلة وعلى الآثار المنقولة عن السلف، والأحاديث المأثورة المرفوعة أو الموقوفة، فاقتصارهم عليها يظهر الحق، ويستبين، ويعرف الباطل.

وبضدها تتميز الأشياء

ولا شك أن كلامهم -رحمهم الله - كله في نصر الحق وفي إظهاره.

معروف أنها تمكنت بدعة الجهمية في أول القرن الثالث، حيث إن الجهمية انضموا إلى بعض الخلفاء كالخليفة المأمون بن الرشيد، فإنه انضم إليه بعض المبتدعة وقربهم؛ وذلك لأنه أحسن الظن بهم، ورأى فيهم بلاغة وفصاحة وقوة أسلوب، وحسن تعبير، فظن أنهم على حق.

ومن أشهر الذين قربهم ابن أبي دؤاد المبتدع الضال، الذي أفسد عقيدة المسلمين في زمانه، ومال إليه الخليفة المأمون.

في خلافة المأمون بالغ في تعذيب أهل السنة وفي تهديدهم في مسألة خلق القرآن: أن القرآن مخلوق، وكذلك تبعه أخوه المعتصم، مشهور أنهم امتحنوا العلماء، وضرب العلماء، وحبس من حبس، وأوذي من أوذي من أهل السنة، ورجع كثير منهم، أجابوا إلى ما طلب منهم، وادعوا بعد ذلك أنهم مكرهون، وتمسك من تمسك منهم، ومن الذين تمسكوا الإمام أحمد؛ ولهذا يسمى ناصر السنة، ويسمى إمام أهل السنة، وقصته طويلة تجدونها بتأريخه، ذكر بترجمته ابن كثير في "البداية والنهاية" قصة ضربه بين يدي المعتصم، وصبره على ذلك، وكذلك ذكرها ابن الجوزي في ترجمته، فإن ابن الجوزي ألف كتابا كله بترجمة الإمام أحمد، كتاب كبير وكذلك في كتب التأريخ، "تاريخ الذهبي" وهو مطبوع أيضا ونقل ترجمته أحمد محمد شاكر في أول كتابه "تحقيق المسند" نقلها من تاريخ الذهبي، وفيها قصة تعذيبه، وأشار إلى ذلك كثير من الذين ترجموا له، ومنهم صاحب المنظومة الذي يمدحه، الذي يقول فيها:

ومذهب الإمام أحمد بن محمد *** أعني ابن حنبل الفتي الشيباني

يقول فيها:

ويـقول عنـد الضرب لست بتابع *** يـا ويحكم لكـم بلا برهــان

أترون أني خائف مـن ضربكـم *** لا والإلـه الواحــد المنـــان

كـن حنبليـا مـا حييـت فإنني *** أوصيـك خيـر وصيـة الإخوان

و لقد نصحتـك إن قبلت فأحمـد *** زيــن الثقاة وسيــد الفتيـان

مـن ذا أقام مـا أقـام إمامنـا *** .......................................

إلى أن قال:

حمـدا لربي إذ هدانـي لدينـه *** وعلـى طريقـة أحمـد أنشاني

واختار مذهـب أحمد لي مذهبا *** من لأواء الهوى والغي قد أنجاني

فالحاصل أنه من الذين صبروا على هذه الفتنة، وصابروا فيها إلى أن أظهره الله تعالى.

ففي عهد المعتصم لقي أذى، ولقي عذابا، وضرب وحبس، وبقي في الحبس مدة طويلة، وكان يتورع أن يأكل شيئا من طعامهم، ويبقى يوما وثلاثة أيام لا يطعم، حتى يأتيه أحد أولاده بشيء من الخبز، الذي من بيته، والذي عرف مدخله، ولما مات المعتصم بعد ثمان سنين، وانتقلت الخلافة إلى ابنه الواثق، خفف الفتنة، وخفف الابتلاء، ولكن لم يزل أهل السنة يخافون على إظهارها، ويستخفون في معتقدهم ثم بعد موته تولى ولده المتوكل، ولما تولى نصر السنة، وقرب الإمام أحمد، ورخص له أن يصدع بمذهبه، وأصبح بما كان يعتقده أهل السنة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وبقي كذلك إلى أن توفي الإمام أحمد -رحمه الله- في سنة إحدى وأربعين ومائتين، والأمر هادئ بقية ذلك القرن، السنة فيها ظاهرة، ولكن لأهل البدع قوة، ولهم تمكن، وبالأخص المعتزلة، وكان المعتزلة في ذلك الزمان من أقوى أهل ذلك الزمان حججا عقلية، وكانوا يأتون بالشبهات العقلية، ويشوهون بها على الناس، ويشوشون بها، وغسلوا أدمغة كثير من أهل العلم من المسلمين ومن العوام، وملئوا تلك الأدمغة بتلك البدع، وبالأخص بدعة إنكار الصفات، الصفات الذاتية، والصفات الفعلية.

وانتشرت في آخر القرن الثالث، وفي القرن الرابع وما بعده اصطلاحات مبتدعة، يرددها المبتدعة في الصفات وفي إنكارها لنفي التجسيم ونفي الحيز ونفي الجهة مثلا، ونفي الأعراض، والأبعاض، والأجزاء، والتركيب، والحوادث وحدوثها، وما أشبه ذلك، فصاروا يلقنونها تلامذتهم، ويذكرون أن نفيها من باب التنزيه لله تعالى.

فتمكنت هذه الكلمات في أهل ذلك الزمان، واعتقدوا صحتها وسلامتها، وهي في الحقيقة أمور لم يرد بها دليل، والمسلمون من أهل السنة لم يستعملوها لا نفيا، ولا إثباتا.

بعد انقضاء القرن الثالث كادت السنة أن تضيع، وكاد المحدثون ألا يبقوا على معتقد، وتمكن مذهب النفاة، ومذهب المعطلة، واضمحل مذهب الإمام أحمد أو كاد أن يضمحل، ولم يبق عليه إلا أفراد يتسترون لا يعرفون إلا أنهم من أتباعه، يستخفون بما هم عليه، وبقوا طوال هذه القرون لا يعرف من ينصر السنة إلا أفراد قلة.

ممن كان على مذهب الإمام أحمد في العقيدة، عالم في أول القرن الرابع، وهو الإمام البربهاري لما أنه أظهر عقيدة أهل السنة، وأظهر عقيدة بأن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه، وأظهر القول بأن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، وأن الله -تعالى- موصوف بصفات الكمال، وأخذ يفصلها، قامت عليه الدنيا، ولم تقعد وحاربوه وبدعوه وضللوه، وهددوه بالقتل، وهددوه بالسجن، واستخفى منهم استخفاء كثيرا، وصار مهددا، فرد واحد بين أهل زمانه الذين هم أمم كثيرون، ولكن نصره الله كما نصر إمامه أحمد بن حنبل، وله كتاب مطبوع في العقيدة اسمه "شرح السنة" إذا قرأته تعرف أنه متأثر بالسنة، وأنه على هذه العقيدة الراسخة التي هي عقيدة أهل السنة، أما بقية أهل زمانهم من كان منهم من أهل السنة، فإنه متستر، وإلا فالبقية قد تركوا السنة الصحيحة.

ظهر مذهب الاعتزال في القرن الرابع، وتمكن، وظهر مذهب الكلابية ظهر عالم في القرن الثالث يقال له ابن كلابعبد الله بن سعيد بن كلاب وكان شديد الجدل، وقوي الحجة حتى شبهوه بالكلاب، الكلاب هي الحديدة التي يستعملها الحداد يقبض بها الحديد في النار، عندما يلقي الحديدة في النار حتى تحمر حتى تلين، يمسكها بحديدة لها أطراف تسمى الكلاب، يقال: كلاب الحداد التي يقبضها، فسموه بذلك؛ لقوة جدله، ثم أن أبا الحسن الأشعري وافقه عللا معتقده، كان أبو الحسن الاشعري في أول أمر معتزليا، تتلمذ على أبي علي الجبائي وعلى ابنه، وهما من المعتزلة، وعلى أبي الهزيل العلاف، وهو من علماء المعتزلة، وعلى الجاحظ، وهو معتزلي تتلمذ عليهم، فانتحل نحلتهم، وهي الاعتزال، وبقي على ذلك في أول عمره ثم إنه اقترن بابن كلاب، فتتلمذ عليه، وقرأ عليه، ثم صار على عقيدته، وبقي عليها أربعين سنة، وألف كتبا كثيرة على هذه العقيدة التي هي عقيدة ابن كلاب، ونسبت بعد ذلك للأشعري، وصار أتباعه عليها يسمون الأشاعرة أو الأشعرية، ثم إن الأشعري في آخر حياته رجع، وقرأ كتب أهل السنة، وقرأ كتب أهل الحديث، فاهتدى، ورجع عن هذه العقيدة إلى عقيدة أهل الحديث، وألف على ذلك رسالته المطبوعة التي باسم "الإبانة في أصول الديانة".

وألف أيضا كتابه الذي سماه "مقالات الإسلاميين" ذكر مقالات المعتزلة ومقالات الكلابية، ومقالات الوعيدية، ومقالات المعتزلة، ومقالات الجبرية، والمرجئة ونحوهم، وبالغ في ذكر مقالات الجهمية، والمعتزلة، وما ينتقد عليهم، ثم بعد ما انتهى من هذه المقالات ذكر مقالة أهل السنة، وسرد عقيدتهم سردا محكما، وبينها بيانا وافيا كافيا، ولما انتهى منها قال: وبكل ما قالوه نقول، وبكل ما ذهبوا إليه نذهب.

عرف بذلك أن الأشعري أصبح من أهل السنة، في آخر أمره، وتجدون هذا الفصل الذي ذكره قد نقله ابن القيم في أول كتابه "حادي الأرواح" وفي آخر الكتاب نفسه أيضا، وكأنه يقول: هذا الكتاب الذي كتبته في ذكر الجنة من أهله الذين يستحقونه؟ هم أهل هذه العقيدة، الذين اعتقدوها عقيدة كافية كاملة لأهل السنة، ذكرها الأشعري في كتاب "المقالات" ونقلها ابن القيم في كتابه "حادي الأرواح " ونقل منها أيضا شيئا كثيرا في كتابه الذي سماه "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية" ونقل منه أيضا شيخه ابن تيمية -رحمه الله- والحموية، ونقله أيضا زميله الذي هو الإمام الذهبي في كتابه "العلو" مما يدل على أنهم تيقنوا أن الأشعري -رحمه الله- كان على هذه العقيدة التي هي عقيدة السلف الصالح.

ولكن مع الأسف أن أهل زمانه، والذين بعدهم، وإلى يومنا تمسكوا بعقيدته التي في وسط حياته، والتي ألف عليها كتبه، والتي هي عقيدة ابن كلاب، تمسكوا بها وسموا أنفسهم أشعرية، وأشاعرة، وافتخروا بهذه النسبة، ولم يزالوا على ذلك ينتحلون هذه العقيدة، فهم يقولون: نحن في المذهب شوافع ونحن في المعتقد أشاعرة، هكذا يقولون، لماذا لا تتبعون الشافعي في الأمرين: في العقيدة وفي المذهب؟ وكذلك يقولها الحنفية نحن حنفية في الفروع، وأشعرية في الأصول!.

فمذهب الأشاعرة هو الذي انتشر انتشارا كثيرا، ولا يزال ينتحله كثيرون، ويفضلونه على غيره، ويناضلون، ويجادلون في نصره، وينصرونه بكل ما يستطيعونه، وفيه ألفوا كتبا كثيرة فيما يعتقدونه، ومن كتب المتقدمين كتاب "الإرشاد" للإمام الجويني الذي هو إمام الحرمين، فيما يتعلق بهذه العقيدة، ولكنه شحنه بأصول المتكلمين الذين يتكلمون في العقائد، ويجعلون تلك البراهين، أو تلك القواعد التي يقعدونها أدلة على ما يذهبون إليه، هذه عقيدتهم، هذا "الإرشاد" مطبوع للجويني، والكتب التي ألفوها كثيرة.

ومنهم الرازي المشهور، الذي يسمى الفخر، الفخر الرازي صاحب التفسير الكبير أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، ألف له كتابا سماه "تأسيس التقديس" وجعله في عقيدة الأشاعرة، وأهداه إلى سلطان ذلك الزمان، وانتشر هذا الكتاب، ولا يزال مطبوعا، ولا يزال منتشرا.

ولما كان في القرن السابع، آخر القرن السابع، طوال هذه القرون، أهل السنة يتسترون، في القرن السابع أخرج الله عالما من أهل السنة صدع بالحق، وهو ابن تيمية -رحمه الله- فإنه لم يبال بمخالفة أهل زمانه، بل تعلق بالحق، واعتقده، وأحيا مذهب السلف -رحمهم الله - وناقش أهل زمانه، ناقشهم في العقيدة، فثار عليه أهل زمانه في بلاده التي هي دمشق، كان هناك علماء أجلة مثل ابن الزملكاني، ومثل السبكي المشهور، هؤلاء أشاعرة، وقد تمكن مذهب الأشعرية منهم، وتلقوه عن مشايخهم، وصار مذهبا راسخا عندهم، فجاء شيخ الإسلام وصدح بمذهب أهل السنة صدح بالاستواء، وصدح بصفة العلو، وصدح بالصفات الفعلية، والصفات الذاتية فكان مما كدر صفوهم، وقالوا هذا سوف يخالفنا، وسوف يفسد علينا عقائدنا، فرفعوا أمره إلى السلطان في ذلك الزمان يعني: والي دمشق، فجمعهم السلطان وقال لهم: ناظروه، فناظروه أظهر هذه العقيدة "الواسطية" وقال لهم: هذه كتبتها منذ زمان كذا وكذا، والآن أنا على ما أقول، وعلى ما أعتقد قرءوها، وإذا هي آيات، وأحاديث، وأدلة، وأقوال زاهقة للحق، ولكنهم مع ذلك أخذوا ينكرون عليه التصاريح التي صرح بها، وظهرت حجته عليهم، ولم يقدروا على مقاومته، ولكنهم -مع الأسف- لم يرجعوا إلا من قل، بل بقوا على معتقدهم.

انتشرت عنه هذه العقيدة، فسمع به علماء مصر من الحنفية، ومن الشافعية الذين على هذا المذهب، المذهب الأشعري، فرفعوا إلى السلطان في مصر وقالوا: نريد أن يأتينا حتى نناظره، وحتى لا يفسد علينا عقيدتنا، ولا يفسد علينا جماهير الأمة، فإنهم على هذا المعتقد، فكتب إليه السلطان أن يأتي إليهم، فذهب إليهم، وأقام هناك سبع سنين، أو ست سنين في مصر، كلها في جدال، اجتمعوا، وتصدى لمناظرته، أو لمجادلته عالم شافعي يقال له: ابن عدوان، ونصبوا قاضيا لهم حنفيا، يقال له: ابن مخلوف، فحضروا عنده، فقال ابن عدوان: أنا أشتكي، وأنكر على هذا الرجل، فإنه يقول: إن الله في السماء بذاته، وإن الله يتكلم بحرف وصوت، وإن القرآن حروفه ومعانيه كله عائد كلام الله تعالى.

ونحن نقول: إن كلام الله معنى قائم بذاته، وأن كلام الله. .. وأن القرآن ليس هو كلام الله، وإنما هو حكاية، أو عبارة، ونحن لا نقول: إن الله على عرشه، بل ننكر ينكرون أن يكون الله على العرش، أن يكون في السماء، وأخذ يدلي عليه بحجته، فعند ذلك قال ابن مخلوف: ما تقول يا فقيه؟ فقال الإمام: فابتدأ -رحمه الله تعالى- بمقدمة الحمد، والثناء على الله -تعالى- فقطعوا عليه حمده، وقالوا: ما جئنا بك لتخطب، إنما جئنا بك لتحتج، فقال عند ذلك: فمن الحكم؟ قالوا: قاضي القضاة، ابن مخلوف يسمونه قاضي القضاة، فقال: كيف تحكم علي، وأنت خصمي؟! فعند ذلك غضب، غضب هذا القاضي، الذي هو معترف بفضله وسيادته، فلم يجد بدا من أن كتب ليحبس، ليسجن ابن تيمية، فوافق على أنه يسجن، وسجن لمدة سنتين أو أكثر، ولكن لم يتوقف عن الكتابة، بل كان يأتيه تلامذة له، ويلقون عليه أسئلة، ويملي عليهم أجوبتها، فكتب في تلك المدة كتبا كثيرة، حتى جمع منها أكثر من عشرة مجلدات، تسمى الفتاوى المصرية.

جمعت وصار ينقل منها كثيرا، ثم إنه أخرج وبعد ذلك حصلت مناظرة بينه وبين المتصوفة، أتباع عدي بن مسافر، وبعض الصوفية، فأنكروا عليه تشدده عليهم؛ وذلك لأنه ينكر على الصوفية أحوالهم الباطنة، فالحاصل أنه أعيد للسجن مرة ثانية، وبقي فيه سنتين أو ثلاثا، وبقي هناك إلى أن تخلص بعد ست سنين، فرجع إلى دمشق.

بعد رجوعه إلى دمشق بقي يدرس ويعلم، تتلمذ عليه بعد رجوعه التلميذ الخاص، من هو؟. . ابن القيم، ما رآه إلا بعدما رجع سنة إحدى عشرة وسبعمائة، فتتلمذ عليه ابن القيم، وابن كثير، والذهبي، وابن عبد الهادي ونحوهم، وقبلوا ما قال.

ظهر هؤلاء بالعقيدة، وصاروا هم الذين تأثروا، الشافعي منهم بقي على مذهبه الشافعي، ولكن انتحلوا مذهب أهل السنة، ابن كثير شافعي، والذهبي شافعي، ومع ذلك أخذوا مذهب أهل السنة مع بقائهم على مذهب الشافعي، ابن عبد الهادي وابن القيم حنابلة، وكل منهم بقي على المذهب... على مذهبه في الفروع، وتغيروا على ما كانوا عليه، أو ما تلقوه من قبل.

ابن القيم يقول: إنه قبل أن يأتيه ابن تيمية قرأ على بعض المتكلمين قرأ عليهم، وتلقى منهم بعض العقائد التي هي عقائد أشعرية أو نحوها، ولكن أنقذه الله بابن تيمية لما جاء، ذكر ذلك أو أشار إليه في نونيته.

الحاصل أن هؤلاء هم الذين في هذا القرن، جددوا مذهب أهل السنة، فتجدون كتب ابن القيم تعالج، وتجادل في مذهب أهل السنة، وفي إحياء هذا المذهب كتابه الذي سماه "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" مطبوع أكثره ومفقود بعضه، ومطبوع مختصر، وكتابه الذي سماه "اجتماع الجيوش الإسلامية" كلها تتعلق بالعقيدة.

ابن تيمية -رحمه الله- له الكتب الموسعة التي أوضح فيها مذهب أهل السنة، فرد على الكتاب الذي سميناه الذي هو "تأسيس التقديس" للرازي رد عليه بكتاب موسع اسمه "نقض التأسيس" هذا النقض أتى عليه من الأساس.

وفند حجته بما يدل على أنها، وإن كانت مشتهرة، لكنها كبيت العنكبوت لا تقوم لمن كان ذا بصيرة، ورد على الرافضي، الرافضي الذي هو ابن المطهر الذي كتب كتابا سماه "منهاج الكرامة في منصب الإمامة" جيء بهذا الكتاب إلى الإمام ابن تيمية، وإذا أوله يتعلق بالصفات، فجاء له فنقضه نقضا مكملا، يعني: نقضا كاملا، ورد عليه ردا وافيا، فيما يتعلق بالصفات وكذلك فيما يتعلق بالمذهب الرافضي في حجتهم وشبهاتهم، والكتاب طبع أولا في أربعة أجزاء، ثم طبع أخيرا في عشرة أجزاء، والحادي عشر، فهارس، وهو ميسر لمن أراد الاطلاع عليه.

ليعرف أن هذا الإمام -رحمه الله- قد بذل جهدا في نصر السنة، وكذلك أيضا كتابه الثالث الذي سماه "العقل والنقل" يعرف بهذا الاسم، طبع في طبعته الأولي باسم "موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول" ثم طبع طبعة أخيرة باسم "درء تعارض العقل والنقل" وذلك لأن أكثر ما يحتج به هؤلاء الأشاعرة العقل، ويقولون: العقل ينكر كذا، العقل لا يقر بكذا وكذا، فأولا: أقنعهم بأن العقل ليس مرجعا، بل المرجع الأساسي هو الشرع، والسمع، وهو النقل، وثانيا: بين لهم أن العقول الصحيحة توافق المنقولات الصريحة، ولا يحصل بينها أي تفاوت، فارجعوا إلى عقولكم وحققوها، وبين لهم أيضا أنهم متناقضون، فأحدهم يثبت صفة مثلا ثم ينفيها، ففي نفيه يقول: نفاها العقل، وفي إثباتها يقول: أثبتها العقل، فيقال: عجبا لك عقلك تغير كيف تغير بين عشية وضحاها؟

عقل واحد ينفي ثم يثبت ويأتيه عاقلان كل منهما يدعي أنه كامل العقل، وهذا يثبت هذه الصفات وهذا ينفيها، أليس ذلك دليلا على أن هذه العقول ليست مرجعا؟ فكيف تحكمونها و تجعلونها هي المرجع في هذه السنة أو في هذا المعتقد؟ لا شك أنه لما جادلهم بمثل هذه المجادلات انقطعت شبهاتهم.

فالحاصل أنه -رحمه الله- هو الذي أحيا هذه السنة بعدما كادت أن تضمحل. العلماء الذين في هذه الفترة ما سكتوا، يكتبون، ولكنهم لا يقدرون على أن يواجهوا العالم، ولا على أن يصرحوا، بل يكتبون كتابات يعطونها لتلامذتهم.

ففي القرن الخامس ظهر عالم حنبلي يقال له: القاضي أبو يعلى ابن الفراء، وكان أيضا قد قرأ في علم الكلام، قرأ على المتكلمين، وعلق بذهنه شيء من علم الكلام، ولكن لما كان منتحلا لمذهب أحمد لم يجد بدا من أن يقتني كتب أحمد، ويقتني الكتب التي ألفها الحنابلة، ولا شك أن من جملتها ما يتعلق بالعقيدة؛ فلأجل ذلك صار على هذه العقيدة.

ألف كتابا، رسالة صغيرة تتعلق بصفة العلو، ولما ألفها قامت عليه الدنيا، وأنكروا عليه، وشنعوا عليه، وقالوا: أبو يعلى مجسم أبو يعلى مشبه، أبو يعلى أبو يعلى. .. مع أنه قاض معترف به وعالم جليل، وله كتاب مطبوع اسمه "إبطال التأويلات" يدل أيضا على أنه مظهر للحق، وأنه على العقيدة السليمة، ولكنه لم يجرؤ مثلما تجرأ ابن تيمية، وفي مناظرة أهل زمانه وبالإنكار عليهم إنكارا بليغا، مثله الإمام ابن قدامة له أيضا كتب تتعلق بالعقيدة، وهو حنبلي المذهب له مؤلفات في العقيدة منها الرسالة التي شرحناها بالعام الماضي، والتي هي "لمعة الاعتقاد" ومنها كتب في إبطال التأويل، وفي صفة العلو ونحو ذلك، ولكن لم يكن جريئا على أن يظهر للعالم ويجادل ويناضل ويخاصم؛ ذلك لأنه جل اهتمامه بتلامذته الذين يتتلمذون عليه، ولم ير أن يجادل أهل زمانه.

لا شك أن هناك أئمة وعلماء قد خالفوا في هذه العقائد، التي هي عقيدة الأسماء والصفات، وانتحلوا كثيرا، أو ذهبوا إلى كثير من التأويلات، ومنهم مثلا الإمام النووي صاحب "رياض الصالحين" و"شرح صحيح مسلم" وله كتاب "الأذكار" وله كتاب "المجموع شرح المهذب" وله كتب كثيرة، ولكن مشايخه الذين قرأ عليهم والذين تتلمذ عليهم طوال حياته في باب العقيدة أشاعرة؛ لأن المذهب الأشعري هو الذي عم في تلك البلاد، فلم يكن له من يلقنه مذهب أهل السنة، وكأنه لم يشتغل إلا بمذهب الشافعي، ولم يشتغل إلا بكتب مشايخه القريبين، وقراءته لكتب الحديث، إنما هي قراءة عابرة تأثر بأهل زمانه، فلما تأثر بهم اعتقد ما هم عليه، فذهب إلى تأويل آيات الصفات، وأحاديثها، فتجدونه في "شرح كتاب صحيح مسلم" أتى على حديث النزول، فأخذ يتأوله تأويلات بعيدة، وينكر أن يكون حقيقيا نزولا حقيقيا يليق بالله وحده، وكذلك أيضا يمر به أحاديث فيها صفات فعلية، فيتأولها حتى في "رياض الصالحين" يتأول كثيرا من الأحاديث التي فيها إثبات بعض الصفات، إذا صارت مخالفة له.

نقول: إن هذا بسبب تأثرهم بعلماء أهل زمانهم، ولا شك أن أهل الزمان لهم تأثير على غيرهم؛ فلذلك نقول: إن الإنسان عليه أن يختار من مشايخه أهل الثقة، الذين يثق بعقيدتهم حتى يكونوا قدوة له، فإذا أخذ من علماء هؤلاء المبتدعة تأثر بهم، كما هو طريقه هؤلاء العلماء الذين من الله -تعالى- عليهم بهذه المنزلة. منهم مثلا الحافظ ابن حجر شافعي المذهب شرح صحيح البخاري، مرت به الأدلة التي في أول كتاب الإيمان، والتي في آخر كتاب التوحيد في صحيح البخاري، ومع ذلك نجد أنه كثيرا ما يسلط عليها التأويلات، وينقل تأويلات مشايخه، والعلماء الذين قرأ عليهم مع أنه أيضا قرأ لابن تيمية، وقرأ لابن القيم، ونقل عنهما، ولكن لم يقتنع لماذا؟ لأنه تأثر بمشايخه من الشافعية، حتى أنه لما ترجم لابن تيمية في بعض كتبه جمع المثالب التي أنكرت عليه، وقال: إنه يقال عنه كذا وكذا وكذا، ولو كان قد أجاب عنها، ولو أنه مدحه بما مدحه به، لكن أخطأ في مثل هذا.

كذلك أيضا غالب الذين تمذهبوا بهذا المذهب الشافعي، لم يوجد فيهم من تمسك بالسنة إلا نادرا، والإمام الذي نشرح له هذه العقيدة هو أبو بكر الإسماعيلي شافعي المذهب، وقرأ على المحدثين، وأخذ هذه العقيدة من كتب الحديث، ولكن في عقيدته بعض الكلمات التي أخذها من مشايخ انتحلوا هذه العقيدة، وهي إنكار الأعراض، وإنكار الأجزاء وما أشبه ذلك، وأنكر ذلك عليه المحقق، جزاه الله خيرا.

وسبب ذلك أن هؤلاء غالبا يأخذون من مشايخهم، ويحسنون بهم الظن، وقع ذلك حتى في بعض من هم من المذهب الحنبلي، فعندنا مثلا من الحنابلة المتأخرين السفاريني، السفاريني هذا عالم جليل في القرن الحادي عشر، وله هذه الرسالة المنظومة التي في العقيدة، شرحها شرحا واسعا في كتابه الذي سماه "لوامع الأنوار" وفي بعض الطبعات "لوائح الأنوار البهية" وتوسع في شرحه، ومع ذلك وقع في شيء من المخالفات، مثل قوله: وليس ربنا بجوهر، ولا عرض، ولا جسم، تعالى ذو العلى، وناقشه مشايخنا ومشايخ مشايخنا، وبينوا أن هذا من الخطأ، فنعرف بذلك أن البيئة تؤثر، وأن المجتمع له أثره، وأن المشايخ الذين يدرس عليهم العالم يكون لهم تأثير؛ فلأجل ذلك يظهر أثرهم على هؤلاء، ولكن الحق أحق أن يتبع.

فهذا بيان لمراحل هذه العقيدة، وكيف وصلت، وكيف اتسعت.

وفي الدرس الآتي -إن شاء الله- نبدأ في قراءتها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

س: فهذا سائل يقول: هل الخوارج كفار؟ وكيف يوجه حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: « يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية »(25) ؟ وحديث: « لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد »(26) ؟`

ج: قد وردت هذه الأحاديث في الصحيح صحيح مسلم، وفي البخاري بعضها، فمن العلماء من طبقها عليهم، وقال: إنهم المرادون بهذه الأحاديث، ومنهم من قال: إنها صفات لآخرين لم يخرجوا بعد أو يخرجون في آخر الزمان، أو ليسوا هم الذين خرجوا في عهد الصحابة.

ولا شك أن كثيرا من الصفات تنطبق عليهم، مثل الحديث الذي فيه: « أنهم يخرجون على حين فرقة من الناس يقتلهم أولى الطائفتين بالحق »(27) وإن كان هذا قد ضعفه بعضهم، وعلى هذا، الصحيح أن أولئك الذين قاتلهم علي لا يحكم بكفرهم، ولو كانوا يكفروننا، فإننا لا نكفرهم؛ ولذلك سئل علي -رضي الله عنه- قيل: أكفار هم؟ فقال: من الكفر فروا، فقيل: أمنافقون؟ فقال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرا، قيل: ماذا نقول فيهم؟ قال: هم إخواننا بالأمس بغوا علينا.

فأطلق عليهم اسم البغاة، هذا هو القول الصحيح أنهم بغاة، وأنهم يقاتلون لكف شرهم، فإن البغاة هم الذين ينقمون على إمام المسلمين، وينكرون عليه، ويخرجون، ولهم قوة، ولهم شوكة، ولهم شبهة يتشبثون بها فتزال شبهتهم، كما بعث إليهم ابن عباس وناقشهم، حتى رجع منهم نحو الثلث، فإذا بقوا، فإنهم يقاتلون إلى أن يرجعوا، أو يكف شرهم هذا في الخوارج.

والآثار التي وردت فيهم إن كانت فيهم، فهي من باب نصوص الوعيد، وإن كانت في غيرهم، فينطبق عليهم بعضها لا جميعها.

س: وهذا يقول: ماذا يترتب على قولهم: إن القرآن مخلوق؟

ج: يترتب عليه إنكار أن الله - تعالى- متكلم، وهو إنكار صفة كمال، ثم أيضا يترتب عليه إنكار الأدلة التي دلت على ذلك، فالله -تعالى- أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ (28) ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ (29) ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ (30) فالذين يقولون: إنه مخلوق، ينكرون دلالة هذه الآيات، ثم نقول ما الذي حملهم؟ حملتهم عقيدتهم اعتقدوا أن الله لا يتكلم، وذلك أنه خيل إليهم أن الكلام، إنما يصدر من متكلم، إنما يصدر -مثلا- من المتكلم الذي له لسان وشفتان، ونحو ذلك، فقالوا: لو أثبتنا الكلام لله لأثبتنا هذه الصفات، وإذا أثبتناها أثبتنا تجسيما، وأثبتنا تشبيها ونحو ذلك، فهكذا اعتقدوا.

ولا شك أن من أنكر أن الله -تعالى- متكلم فقد وصفه بالنقص، ولعله يأتينا في إثبات الكلام الأدلة على ذلك.

س: وهذا يقول: يروى عن البخاري -رحمه الله- أنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فأرجو توضيح هذه العبارة.

ج: رويت عنه، وبعضهم أنكرها، وبعضهم اعتذر عنه، البخاري -رحمه الله- ألف كتابه الذي هو صحيح البخاري وفي كتاب التوحيد ذكر الأدلة على القرآن، وعلى إثبات أن الله متكلم، وعلى إثبات أن القرآن كلام الله، أوضح ذلك أتم إيضاح، كذلك أيضا ألف كتابه الذي سماه "خلق أفعال العباد" يرد به على المعتزلة الذين يقولون: إن الله لا يقدر على خلق أفعال العباد، وأن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم.

ينكرون أن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعطي، ويمنع ينكرون ذلك، فأثبت بهذا الكتاب خلق أفعال العباد.

ولا شك... أن يعني: كلمة لفظي بالقرآن مخلوق فيها احتمالان: احتمال صحيح، واحتمال غير صحيح، فالصحيح إذا أريد بلفظي حركاتي حركة لساني وحركة شفتي وحركة لهواتي هذه مخلوقة، الله -تعالى- هو الذي خلق الإنسان، وخلق أفعال الإنسان فكونك تحرك شفتيك أنت الذي حركتها، ولكن الله هو الذي أقدرك على ذلك، فهو خالق العبد وخالق أفعاله، فإذا أريد باللفظ حركات الإنسان وحركات لهواته، فهذا معنى صحيح، وأما المعنى الذي ليس بصحيح، فهو أن يراد باللفظ الملفوظ، لفظي يعني: ما أتلفظ به، وما يخرج مني عند التلفظ بالقرآن.

إذا قلت مثلا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (31) فهذه الألفاظ التي تلفظت بها إن كان يريد أنها مخلوقة، فهذا ليس بصحيح، بل هو قول بعيد باطل ننزه عنه البخاري وغيره، فالحاصل أنها إن تثبت عن البخاري، فهو يريد بذلك حركات العبد، وإن لم تثبت، فهو الأولى، والذين نهوا عن ذلك أرادوا بذلك النهي عن أن يعتقد أن اللفظ هو الملفوظ، وكأنهم يقولون: إنا إذا سهلنا لهم فقلنا: لفظي بالقرآن مخلوق، دعاهم ذلك إلى أن يقولوا: ملفوظي بالقرآن مخلوق.

س: وهذا يقول: متى يحكم على الشخص أنه مبتدع؟ ومن الذي يحكم عليه؟

ج: معلوم أن البدع إما أن يبتدعها الإنسان، وإما أن يتبع فيها، فإذا ابتدعها قيل هذا مبتدع، بمعنى أنه منتحل بدعة، لم يسبق إليها مبتدع لها، فيقال: مثلا أن معبدا الجهني ابتدع هذه البدعة التي هي إنكار علم الله السابق، ويقال: إن عمرو بن عبيد ابتدع بدعة كذا وكذا، ويقال إن واصل بن عطاء ابتدع بدعة كذا وكذا، فمثل هذه البدع -لا شك- أنها بدع عميقة عريقة، وأن أصحابها يقال لهم: مبتدعون، أما الأتباع فيحكم عليهم بأنهم أتباع المبتدعة، ولا شك أن متبع المبتدع مبتدع؛ لأنه عرف بأنها بدعة اتبعه عليها، فهو مبتدع حقا، لكن البدع تختلف، منها بدع مكفرة ومنها بدع مفسقة، هذا فيما يتعلق بالعقائد.

البدع المكفرة: مثل بدعة غلاة الجهمية، يقول ابن القيم: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان. خمسون مضروبة في عشر يعني خمسمائة عالم، هؤلاء كفروهم، هناك كذلك أيضا بدعة غلاة الرافضة مكفرة، الذين مثلا يطعنون في القرآن، وكذلك يردون أحاديث الصحيحين، ويكفرون الصحابة الذين نقلوها، لا شك أنها بدعة مكفرة؛ لأنهم طعنوا في الأصلين الكتاب، والسنة، فهي بدعة مكفرة أما البدع الباقية، فإنها مفسقة حتى بدعة المرجئة وبدعة الجبرية ونحوهم وبدعة الأشاعرة، هذه بدع مفسقة، ولا تصل إلى حد الكفر، وكذلك البدع في الفروع يقال لها: بدعة، ولو لم تكن مكفرة، ولا مفسقة، لكنها نقص في الدين تقدح في كمال التوحيد، البدع في الفروع مثل الذين يحتفلون بليلة الميلاد المولد النبوي، أو يحتفلون بليلة الإسراء، أو يحيون ليلة أول جمعة في رجب، ويسمونها صلاة الرغائب أو ما أشبه ذلك، هذه البدع -لا شك- أنها بدع عملية، ليست بدعا اعتقادية، وإن كانوا يعتقدون أنها من السنة، ولكن إنها ليست معتقدا.

فالحاصل أن البدع... أن المبتدع الذي يتبع البدعة، وهو يعرف أنها بدعة، وتقوم عليه الحجة يسمى مبتدعا، شاء أم أبى.

س: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، هذا يقول: هل للأشاعرة تمكن في هذا الزمان، وأين، وهل صحيح أن كثيرا من الناس يعتقدون أن مذهب أهل السنة والجماعة، هو مذهب الأشاعرة.

ج: لهم تمكن في هذا الزمان، وقد قامت عليهم الحجة بعد طبع الكتب، وبالأخص كتب السلف، وقد امتعضوا امتعاضا شديدا لما طبعت، ففي حدود سنة خمسين، وما بعدها طبع كتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد، وطبع كتاب "الرد على بشر المريسي" لعثمان بن سعيد الدارمي، ولما طبع امتعض أحد الأشاعرة، وهو زاهر الكوثري، المشهور، عالم محدث مشهور له تحقيقات، وله مؤلفات، ولكنه متعصب لمعتقد الأشاعرة، فله تعليقات ينكر بها على أهل السنة، وله مقدمة لما حقق كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي قدم فيه مقدمة، حمل فيها على ابن تيمية، وأخرجه من الإسلام، وكذلك تلميذه ابن القيم، وله أيضا كتاب في الرد على ابن القيم، وغير ذلك، لقبهم فيها بألقاب شنيعة حتى أنه استباح لعنهم وتضليلهم.

فدل على أنهم لهم بقايا، هذا العالم الذي هو الكوثري له تلامذة، تلامذة جاءوا إلينا في كثير من الأوقات حتى درسونا، ولما أنا أفصحنا بتضليل الكوثري، أخذوا يجادلوننا، ويقولون: كيف تضللونه، وهو، وهو، العالم، الجليل، الكبير، الزاهد، الذي فيه كذا وكذا؟! موجود له تلامذة كثير من الذين جاءوا من مصر، علماء مشهورون، ولكن على معتقد الأشعري، إلا أنهم يأخذون حذرهم، فلا يفصحون بمعتقدهم إذا كانوا يدرسون من يخشون أن ينكر عليهم، ويتوقفون، وإذا جاءهم... أنكر عليهم بعض التلاميذ قالوا: ننتقل إلى موضوع آخر، نقطع الكلام في هذا وهكذا.

ومنهم من اهتدى، ورجع إلى الحق، وقامت عليه الحجة، ومنهم من رجع إلى ما كان عليه، وهكذا أيضا في علماء كثير من البلاد العربية، والبلاد الإسلامية، لا يزالون يدرسون المذهب الأشعري، وكتبهم عليها شروح، الكتب التي ألفت في العقائد الأشعرية، مثل "العقائد النسفية" النسفي عالم أشعري مشهور له مثل "بدء الأمالي" ومثل عقيدة اسمها "الخريدة" وعقيدة اسمها "الجوهرة" وعقيدة اسمها "الشيبانية" ولو كانت أخف لكن الذين شرحوها غلاة في المذهب الأشعري، ينكر على الشيباني مثل قوله في قصيدة مشهورة يقول:

لا حل في شيء تعالى ذو العلا

يعني: ينكر بذلك أن يكون الله - تعالى- في السماء أو نحو ذلك، وبكل حال لا يزال هناك من هم على هذا المذهب.

مذهب أهل السنة والجماعة، هل هم الأشاعرة؟

الذين يقولون: إن مذهب أهل السنة. ..أن الأشاعرة هم أهل السنة، هم الأشاعرة أنفسهم، أتذكر قبل ثلاثين سنة أو نحوها كنا ندرس على بعض الأشاعرة، فأتى بمسألة التحسين والتقبيح، وأتى بمسألة في الإيمان، فقال: هذا مذهب الأشاعرة، هذا مذهب أهل السنة... يعني: قال: هذا مذهب الأشاعرة، هذا مذهب المعتزلة، قلنا: فأين مذهب أهل السنة؟ قال: هو مذهب الأشاعرة؛ ذلك لأنه أشعري، الأشاعرة عندهم أهل السنة.

س: وهذا يقول: هل يجوز أكل ذبائح الرافضة ؟

ج: الصحيح أنها لا تؤكل، غلاتهم مثل الذين ينتحلون هذه النحلة يجمعون بين ثلاثة أشياء: الأول: الشرك الصريح، فإنهم دائما في الملمات لا يدعون إلا يا علي، أو يا حسين، أو نحو ذلك، وثانيا: طعنهم بالقرآن، ولو أظهروا أنهم لا يطعنون فيه، ولكنهم على معتقد خبيث، وثالثا: تكفيرهم للصحابة، وردهم لكتب أهل السنة، فمثل هؤلاء لا تؤكل ذبائحهم.

س: السؤال الأخير يقول: هل يجوز التقسيم بين الورثة، بلا علم إذا اصطلحوا على ذلك؟

ج: الورثة إذا عرف أن الحق منحصر فيهم من التركة، منحصرة فيهم فيصطلحون كما يريدون، ولكن الأولى أن يقسم على كتاب الله -تعالى- حتى يقتنع كل بحصته، والله -تعالى- أعلم، وصلى الله على محمد.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه نبدأ الآن في قراءة متن العقيدة، ويقرؤها هشام الشعلان.

نعم.

هكذا ابتدأ -رحمه الله - وكأن الراوي حذف المقدمة؛ لأن العادة أن المؤلفين يبدءون بمقدمة فيها حمد الله، والثناء عليه، وفيها الشهادتان، وفيها الدوافع التي تدفع إلى ذلك الموضوع، وفيها بيان الموضوع، ولم يذكر في هذه الرسالة، فإما أن يكون المؤلف اقتصر على العقيدة نفسها، ولم يذكر المقدمة، وإما أن يكون بعضهم اختصر المقدمة، وترك ما لا حاجة إليه، وذكر ما به حاجة، والخطاب بقوله: "اعلموا" عام للمسلمين الذين يقبلون، يقبلون الإرشادات، ويقبلون التعليمات، ويتقبلون النصائح التي توجه إليهم، فإنهم الذين ينتفعون بما أمروا به.

فالأمر بقوله: "اعلموا" أمر إرشاد، وأمر توجيه ونصيحة، ومعناه أنه يأمركم، فإن أردتم الخير امتثلتم، فإنكم مفلحون، ومن خالف ذلك وصد عنه، فإنه يعتبر مخالفا للنصيحة ورادا لها.

دعا في أول هذه الكلمة لكم بالرحمة "رحمنا الله، وإياكم" بدأ بنفسه، فدعا له بالرحمة، ثم بعد ذلك للمخاطبين بالرحمة، وهو دليل أيضا على أنه يعترف بصفة الرحمة، أن الله -تعالى- واسع الرحمة، وأنه رحيم بعباده، والرحمة صفة فعلية، يرحم الله بها من يشاء من خلقه، وقد اشتق منها لله -تعالى- أسماء كالرحمن الرحيم، اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر، فالرحمة صفة لله -تعالى- ثابتة يرحم من يشاء من خلقه، وكذلك وضع الرحمة في قلوب عباده.

فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: « بأن الله خلق الرحمة مائة جزء، وأنه وضع منها جزءا بين العالمين يتراحمون به، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه »(32) تلك الرحمة وضعها الله -تعالى- في قلوب الأبوين ونحوهم، فالله تعالى رحيم، الرحمة في حق المخلوق رقة وشفقة على من يرحمه، يرق قلبه لذلك الذي أشفق عليه حتى يحرص على إيصال الخير إليه، ودفع الشر عنه، وثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: « من لا يرحم لا يرحم »(33) وقال لمن رأى قلبه قاسيا: « أوأملك أن نزع الله من قلبك الرحمة »(34) فأفاد بأن الله - تعالى- يضع الرحمة في القلوب.

والكلام هنا في رحمة الله تعالى، إن الله رحيم بالعباد، وأنه يرحم من يشاء كما في قوله -تعالى -: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ (35) وأن من رحمه، فقد سعد كما في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (36) وقال: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (37) .

المذهب: هو المسلك الذي يسلك يقال: هذا مذهب فلان يعني: طريقه الذي ذهب منه، وسلكه فيقال: فلان ذهب في مذهب فلان يعني: طريقه الذي سلكه، ولكن اصطلح على أن المراد بالمذهب هو القول الذي يقتدى به بعده، أو الذي يختاره، ويرجحه، ويسمى مذهبا له يعني: مسلكا سلكه، وقولا اختاره، ورجحه على غيره بدليل اقترن به.

المذاهب: يراد بها الأقوال التي تنسب إلى أربابها، ويطلق المذهب على قول قاله إمام مجتهد ومات، وهو مجتهد ومتمسك به سواء اقتدي به فيه، أو لم يقتد به، وها هنا أضاف المذهب إلى أهل الحديث "مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة" خصهم؛ لأنهم القدوة، ومن يريد أن يقتدي بهم، ويسير على نهجهم، فليسلك هذا الطريق، وليتمسك بهذا المذهب اختارهم؛ لأنهم أقرب إلى الصواب، وأقرب إلى النجاة، وأقرب إلى الفلاح.

معلوم أن أهل الحديث هم الذين تمسكوا به؛ لأن الأصل أنهم رووا الأحاديث وحفظوها ودونوها، واشتغلوا بها وفتشوا في صحيحها وضعيفها ونقبوا فيما يصلح أن يقبل، وما لا يصلح أن يقبل، فصار ديدنهم وصار شغلهم الشاغل هو الاشتغال بالحديث، وما المراد بالحديث؟

لا شك أنه حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني: الأحاديث التي ينقلونها، كان الصحابة -رضي الله عنهم- في أول أمرهم يقبلون الحديث ممن رواه وممن نقله، ولكن بعدما دخل في الإسلام من ليس بمسلم صحيح، وأخذ يختلق أحاديث، ويختلق أقوالا، وينسبها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فعند ذلك اهتم المسلمون، واهتم الصحابة، والعلماء بهذه الأحاديث، فألزموا كل من روى حديثا أن يذكر من حدثه عنه.

ذكر مسلم في مقدمة كتابه قال: كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما ركب الناس الصعب، والذلول قالوا: سموا لنا رجالكم، أي: حتى نعلم من يقبل ومن لا يقبل، فصاروا لا يروون الأحاديث، ولا يتقبلونها إلا إذا عرفوا سندها، فصاروا يروونها بالأسانيد، فعند ذلك بحثوا في رجالها الذين نقلوها، وترجموهم، وذكروا ما يقال فيهم، ومن هو أهل أن يكون محدثا وحافظا ومن ليس كذلك، فاشتغلوا بهذا.

اشتغل به مثل الإمام البخاري كان شغله في الحديث طوال حياته ومثل الإمام أحمد، ومثل يحيى بن معين زميل للإمام أحمد، وله تآليف وتراجم مطبوعة، ومثل علي بن المديني، وله كتب مطبوعة، ومثل الإمام مسلم، وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وكذلك في القرن السابق قبلهم، اشتغلوا بالأحاديث، واشتغلوا بنقلها، وبتتبعها ورد ما ليس بثابت منها، وما ليس بصحيح، وتثبيت الثابت الصحيح وقبول رواية هذا، وقبول رواية هذا، فصار شغلهم دائما في الأحاديث، إذا جلسوا في مجلس إنسان فليس لهم إلا أن يقولوا: ماذا تحفظ يا فلان من الأحاديث ماذا عندك من الأحاديث؟ هذا الحديث رواه فلان عن فلان ماذا تعرفون عن الراوي الفلاني؟ وماذا تعرفون عن شيخه وشيخ شيخه؟

وهكذا فيكون دائما شغلهم في التنقيب عن الأحاديث؛ فلذلك سموا أهل الحديث، وكفى بهذا الاسم شرفا؛ وذلك لأنه حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أي: الحديث الذي أضيف إليه، صلى الله عليه وسلم.

وسموا أهل السنة، وأهل الجماعة، تطلق السنة على أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقابل القرآن، فأنت تقول: أعطني دليلا من الكتاب والسنة مرادك بالسنة: الأحاديث، فجعلت الأحاديث، جعلت هي السنة؛ لأنها الطريقة التي بينها النبي -صلى الله عليه وسلم- كلمة السنة: اسم للطريقة التي يسار عليها، كما روي عن عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- أنه قال: سن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والخلفاء بعده سننا الأخذ بها نجاة. .... إلى آخره.

مراده بالسنن الطرق التي سنوها وشرعوها لمن بعدهم، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- شرع لأمته هذه الطرق التي يسيرون عليها، ألا وهي الأوامر، والنواهي، والأقوال، والإرشادات فسميت سنة؛ لأنه بينها ووضحها، فكأنهم يسيرون عليها، فالسُّنن والسَّنن هي الطرق؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « لتتبعن سَنن من كان قبلكم »(38) يعني: طرقهم، ولما قال له بعض أصحابه: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال: « الله أكبر إنها السنن »(39) يعني: الطرق المسلوكة قبلكم تسيرون عليها، فسماها سننا، يعني: طرقا ومناهج يسار عليها، ثم أطلقت السنة على العقيدة السليمة، فيقال: السنة جاءت بكذا وكذا.

وتعرفون أن كثيرا من العلماء سموا كتبهم بالسنة، فللإمام أحمد كتاب اسمه "السنة" ولولده عبد الله كتاب اسمه "السنة" ولتلميذه أبو بكر الخلال كتاب اسمه "السنة" ولابن أبي عاصم كتاب اسمه "السنة" ويراد بالسنة هنا ما يعتقد، يعني: لا تدخل فيه سنن الأفعال.

أما كتاب المروزي، المروزي له كتاب اسمه "السنة" محمد بن نصر المروزي، لكن يتعلق بالأحاديث، والذب عنها، وتصحيحها وما يقال فيها، لا يتعلق بالعقيدة بخلاف كتاب "السنة" لأبي عبد الله، ولأبيه، ولتلميذه، فإنها تتعلق بالعقيدة.

ولبعض المتأخرين عالم يماني يقال له: ابن الوزير له كتاب مطبوع اسمه "الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم" فيراد بالسنة هنا الأحاديث وكذلك أيضا الأعمال.

والحاصل أن أهل العقيدة السلفية يسمون أهل الحديث، ويسمون أهل السنة، ويسمون أهل الجماعة، ويراد بالجماعة المجتمعون على الحق، المجتمعون على الخير الذين تجمعهم عقيدة سليمة، ولو كان غيرهم أكثر منهم.

جاءت أحاديث كثيرة تدل على الحث على لزوم الجماعة في حديث أبي ذر المشهور قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم »(40) وفي أحاديث كثيرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «عليكم بالجماعة »(41) يعني: يحث على لزوم جماعة المسلمين، جماعة المسلمين، « فإن دعوتهم تحيط من ورائهم »(42) .

أطلقت الجماعة على أهل العقيدة السليمة، ولو قلوا في بعض الأزمنة، الأصل أنهم السواد الأعظم، وأنهم الأكثرية، ولكن قد يقلون في بعض الأزمنة، لابن الجوزي كتاب اسمه "تلبيس إبليس" وفي بعض الطبعات "نقد العلم والعلماء" بدأه بمقدمة في الحث على لزوم الجماعة، وكأنه يشير إلى أن الأكثرين غالبا أقرب إلى الصواب، ولكن لو قدر أن الصواب صار مع غيرهم، فإنا نأخذ بمن معه الصواب، ولو كانوا قليلا، فالحق حق، وإن قل أهله، والباطل باطل، وإن كثر أهله.

ثم قد يراد بالجماعة أهل القرون المفضلة، ذكرنا لكم أن القرن الأول وبالأخص الصحابة كلهم على الحق لم يذكر فيهم مبتدع، وأن القرن الثاني الذين هم التابعون، الأصل فيهم أنهم على الحق سيما الذين قرءوا العلم، أخذوا العلم عن الصحابة، وأن تلامذتهم تابع التابعين، الأصل فيهم أنهم على الصواب، وأنهم على الحق، وأن القرن الرابع وما بعده هو الذي كثرت فيه البدع، وكادت السنة أن تختفي.

إذن فقد يقال: إن الجماعة هم السلف الصالح، الجماعة هم أهل القرون المفضلة، أهل القرون الثلاثة الذين زكاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- "هذه عقيدتهم أولها الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله" هكذا عبر بالإقرار، والمراد الاعتراف، أقر بالشيء: يعني: اعترف به، وقد تقول: لماذا لا يعبر بالإيمان مع أنه الذي ورد في الأحاديث؟ الذي ورد في الأحاديث في حديث جبريل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: « الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر »(43) قال: تؤمن، ولم يقل: تقر، وكأن المؤلف هنا اختار رواية الإقرار؛ لأنه يريد به الاعتراف الظاهر الذي يسمع من المعترف، يعترف بذلك على رءوس الأشهاد.

الإيمان كأنه خفي؛ لأنه تصديق القلب ويقينه وعقيدته، والإقرار إظهار للشيء الذي أقر به، وإعلان له على رءوس الأشهاد، وتمسك به.

ولا شك أن من أظهر هذا، فإننا نشهد له بالإيمان، من أظهر هذا الاعتراف وقال: أنا أقر، وأعترف بأن الله - تعالى- هو إلهنا، وأنه أنزل الكتب، وأنه أرسل الرسل، وأنه خلق الخلق، وأن له ملائكة كرام كاتبون، وأنه، وأنه يعترف بذلك، نقبل ذلك منه، ثم ما ذكر هنا إلا أربعة أركان: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولم يذكر اليوم الآخر، ولم يذكر القدر، ولكنه سيذكر ذلك فيما بعد، وإن لم يفصل فيه تفصيلا.

ولا شك أن الإقرار بهذه الأربعة يستلزم الإقرار بغيرها، فمن أقر بالله لزمه أن يقر بوجوده، وأن يقر بقدرته، وأن يقر بتصرفه، وأن يقر بتدبيره وبخلقه وبعلمه وبسائر صفاته التي وصف بها نفسه لزم أن يقر بذلك ويعترف به فهذا هو الأصل.

ولأجل ذلك تجدون كثيرا من الأحاديث ذكر فيها الإقرار أو الإيمان بالله واليوم الآخر دون بقية أركان الإيمان، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمُت »(44) « لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج »(45) فاقتصر على الإيمان بالله واليوم الآخر.

فالإيمان بالله يدخل فيه التوحيد بأنواعه، ويدخل فيه الأخبار: أخبار الله -تعالى- ويدخل فيه الإيمان برسله؛ لأنهم جاءوا بما أرسلهم به، ويدخل فيه الإيمان بكتبه؛ لأنها اشتملت على كلامه، ولأنها اشتملت وحْيَه وعلى إرشاده، ويدخل فيه الإيمان بوعده وبوعيده ونحو ذلك، فهو الأصل الإيمان بالله.

من آمن بالله أتبع إيمانه كل ما أخبر الله به، وكل ما جاء عن الله -تعالى-. معلوم أن الإنسان إذا آمن بالله -فأولا- يؤمن بوجود الله -تعالى- ويرد بذلك على الشيوعيين، وعلي الدهريين وعلي الفلاسفة، الدهريين والطبائعيين؛ وذلك لأن هؤلاء جميعًا لا يعترفون بخالق، بل الأمر عندهم مسند إلى الطبائع، والطبائع هي التي تؤثر في هذا الكون في منظومة لبعض المتأخرين، يقول فيها

ولا نُصِيـحُ لِعَصْرِيٍّ يَفُوهُ بمَـا *** يُنَاقِضُ الشَّرْعَ أو إيـاه يعتقـدُ

يرى الطبيعة في الأشياء مُؤَثِّرَةً *** أين الطبيعةُ يا مَخْذُولُ إذ وُجِدُوا

أين الطبيعة إذْ وُجدت قبل أن يوجدوا ؟! وأين الطبيعة بعدما وُجدوا ؟!.

فهؤلاء الطبائعيون لا يؤمنون بوجود الله -تعالى- والمسلم الذي يعتقد وجود الله -تعالى- يعترف بوجوده في ثلاثة أصول.

قال الشيخ -رحمه الله-: "إذا قيل لك: بمَ عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته" يعني: عرفته بآياته التي منها: الليل والنهار والشمس والقمر، وبمخلوقاته التي منها السماوات والأرض وسائر المخلوقات.

إن هذه دالَّة على أنَّ لها خالِق، ولما تكلم ابن كثير -رحمه الله- على أول آية فيها أمر من تفسيره وهي قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ (46) .

فقال: هذه ست دلالات نصبها الرب -تعالى- ليُعرف بها، ليعرفه العباد، ويعترفوا بأنه ربهم، أنه الذي خلقهم، أي: أوجدهم من العدم وقد كانوا معدومين ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (47) ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (48) الآباء والأجداد والأسلاف.

فإن النعمة على الوالدين نعمة على الأولاد. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا (49) يعني: وطاءً وبِسَاطا ليِّنا تجلسون عليه، وتتقلبون عليه كما تشاءون، وفيها آيات عظيمة، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً (49) ورفع هذه السماء وجعلها سقفا محفوظًا وبناءً فوقكم، ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً (49) لا يقدر الخَلْق على أن ينزلوه، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ (49) جعل هذه الأرض لينة تَقْبَل أن تنبت النبات الذي يكون فيه غذاؤكم وبهِ تتم حياتكم آيات بينات.

ثم إنه -رَحِمَه الله- ذَكَر أقوالا ونقولا عن السلف -رحمهم الله- يستدلون بها على وجود الخالق:

فذكر أن أبا حنيفة جاءه قوم من الدهريين وسألوه عن وجود الله، يريدون أن يشككوه في وجود الرب -تعالى- فقال لهم: إني منشغل بأمر غريب، قالوا: وما هو؟ قال: ذُكِر لي أن ها هنا سفينة ليس فيها أحد، وأنها تسير وحدها في البحر، وترسي على الساحل، وتُحمِّل نفسها أمتعةً حتى تمتلئ ثم تسير سيرا مستقيمًا حتى تصل إلى بلاد أخرى، ثم تنزِّل ما فيها من الأمتعة مع اختلافها، وتعزل التمر عن غيره، وتعزل البر عن غيره، وتعزل الأكسية عن غيرها، ولا يختلط هذا بهذا، ومع ذلك ليس فيها أحد وليس فيها مَن يسيِّرها ولا مَن يرسلها.

فقالوا: وهل تصدق بهذا؟ لا يصدق بهذا إلا مجنون! هذا لا يمكن أن يصدَّق به. السفينة خشبة، كيف الخشبة تحرك نفسها؟! وكيف تسير بنفسها؟! وكيف تحمل نفسها وهي خشبة ؟!.

فعند ذلك قال لهم: خُصِمتم! فأنتم تشاهدون هذا الكون فهذه النجوم التي تسير من الذي خلقها وأوجدها؟! وهذه النيران: الشمس والقمر من الذي سيّرهم هذا السير المحكم؟! وهؤلاء الخلق الذين بثهم في هذه الأرض، وهذه الأفلاك التي تسير في هذا الكون مثلا هذه الرياح التي يصرفها الله -تعالى- كما يشاء، وهذه السحب التي ينشئها فعند ذلك انقطعوا وتابوا على يديه فهذه حجة قوية.

وسئل الإمام أحمد -رحمه الله- عن هذا السؤال، فقال: ها هنا قصر مشيد محكم، ليس له منفذ ليس فيه أدنى منفذ تدخل منه رأس الإبرة، ظاهره فضة بيضاء، وباطنه ذهب أصفر، محكم البناء لا يصل إليه تصرُّف، ولا يصل إليه أدنى تدبير، بقي هذا القصر على ما هو عليه وبينما هو كذلك إذ انْكَسر جدارُه فخرج من وسطه حيوان حي سميع بصير يأكل ويشرب ويتقلب ويتصرف لنفسه، فيه جميع الحركات، كيف تولد في وسط هذا القصر؟!.

يشير بذلك إلى بيضة الطير، هذا البيض تخرج منه هذه البيضة ميتة ليس فيها أدنى علامة ومع ذلك يتكون فيها هذا الفَرْخ ويتغذى من وسطها، ثم بعد ذلك يخرج بإذن الله، الله -تعالى- هو الذي كونه حيوانا صغيرا، ثم بعد ذلك أكل وتنامى إلى أن خرج وهو حيوان كبيرا يستطيع أن يطير وأن يتقلب! أليست عناية الله -تعالى- بهذا الطائر في هذه البيضة تدل على أنه كوّنه كما يشاء.

وكذلك -أيضا- الآيات والعلامات كثيرة، تكلم ابن القيم -رحمه الله- في أول كتابه الذي سماه "مفتاح دار السعادة" بنحو أكثر من ستين صفحة كلها في التفكر والتأمل في المخلوقات، والاستدلال بها على قدرة الخالق، فجعل ذلك في فصول وهو يقول -مثلا-: فصل تأمل خلق الإنسان كيف خلق من كذا؟ وكيف ركب فيه كذا وكذا ؟.

ثم تأمل خلق هذا الحيوان، وأخذ يفصل الحيوانات ثم تأمل خلق الأرض، وما فيها كذا وكذا، وتأمل خلق الله كذا نحو ستين صفحة كلها في الأدلة.

وفي أثناء كلامه يقول: فَسَلِ المعطِّل: من الذي جعل النور في هذه العينين؟ هل النور الذي يمتد ويبصر القريب والبعيد؟.

سل المعطِّل: من الذي فتح هذه الآذان وجعلهما مدخلاً للصوت بحيث إن الصوت يصل إلى الدماغ ويتصور السامع ما يقوله الإنسان والحيوان والطائر ونحو ذلك.

سل المعطِّل: من الذي ركب هذا الفؤاد؟ وجعل فيه هذا العقل الذي يميز بين الأشياء، وفرق بين الإنسان وبين غيره من الدواب؟.

سل المعطل: من الذي ركَّب لهذا الطير هذه الأجنحة بحيث أنه يطير بها، ويتصرف بها كما يريد؟.

وهكذا يقول وتكلم -أيضا- في كتاب آخر اسمه "التبيان في أقسام القرآن" عندما أتي على تفسير سورة "الذاريات" في قوله -تعالى-: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ (50) فأطال على "وفي أنفسكم" بحيث أنه شرح ما في الإنسان من العجائب حتى كأنه أعلم من المشرحين الذين يشرحون المخلوقات، بحيث أنه يصف الإنسان من رأسه إلى إبهامه، يصف كل عضو، ويقول: مادة كذا وكذا.

لا شك أنها آيات بينات عظيمة، إنها بكل حال هذا لا يدخل في الإيمان بالله إذا آمنا بالله -تعالى- أنه موجود آمنا -أيضا- بأنه الخالق الذي تفرد بالخلق لا خالق غيره ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (51) ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ (52) فهو الذي انفرد بخلق المخلوقات لا يكون في الوجود إلا ما يريد، خلق كل شيء ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (53) ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (48) .

ولا شكَّ أن الاعتراف لله -تعالى- بأنه الخالق يفيد الإنسان عظمة الربِّ -تعالى-؛ لأنه إن اعترف بأن الخلق كله خلق الله، وبأن ما في الوجود كلها بإيجاده، وبأنه ليس فيها ذرة من خلق أحد، وأن الإنسان مهما اخترع ومثَّل فلا يقدر على أن يخلق مثل خلق الله قال الله -تعالى-: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ (54) .

الإنسان -مثلا- لو حاول أن يَخْلُق ذُبَابا أو ذرة يجعلها متحركة بطبعها يركب فيه عينيها وأذنيها وأقدامها ومفاصلها ونحو ذلك، لو اجتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا ذرة، أو بعوضة فيها نفس وروح وفيها حركة طبيعية لا اختيارية لن يقدروا على ذلك.

أما التصوير فإنه يسمى تصويرا، قد توعد الله -أيضا- الذين يصورون في الحديث القدسي: « ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا بُرَّة أو شعيرة »(55) .

قد تقول: إنهم الآن يخلقون حبَّ الأرز -مثلا- الرز الصناعي، أو ما أشبهه، لكن ليس مثل خلق الله، هذا إذا صنعوا -مثلا- هذا البر فإنه ليس مثل البر الذي هو خلق الله -تعالى- بحيث أنه ينبت إذا بذر.

الطبيعي البر مثلا أو نحوه إذا دُهِن في الأرض وسُقِيَ نبَتَ فوق الأرض وأزهر وسنبل، وأما هذا فإنهم يأخذون شيئا من الأرز مثلا ثم يطبخونه ثم بعد ذلك يدخلونه في ماكينات ويقسمونه إلى حبات يسيرة ثم يجعلونه طعاما، ما أخذوا إلا مِن خلق الله -تعالى- أما خَلْق الله فلا يستطيعون أن يخلقوا ذرة ولا أن يخلقوا بُرة أو شعيرة طبيعية بطعمها وبطبعها.

وكذلك أيضا إذا عرفنا أن الله -تعالى- هو الخالِق فإننا نؤمن بأنه المعبود؛ ولذلك قال -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (48) كأنه قال: أُذكركم بأنِّي خلقتكم، وإذا كنتم خلقي فأنتم عبيدي وأنتم ملكي، والعبيد يطيعون خالقهم ويطيعون الذي هم ملكه، ولا يخرجون عن طواعيته ولا يتعبدون لغيره بل يعبدونه وحده، كيف تتعبدون لمن لم يخلقكم وتتركون الذي خلقكم؟

الكلام الذي يتعلق بالإيمان بالله يدخل فيه جميع ما يأتي من الإيمان بالصفات ونحوها.

أما الإيمان بالملائكة: فإنه ركن من أركان الإيمان الستة، نؤمن بأن الله -تعالى- خلق الملائكة، وأنهم كما وصفهم الله -تعالى-: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (56) يعني: لا يتعبون ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (57) لا يصيبهم الفتور ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (58) ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (59) ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (60) ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (61) ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (62) ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (62) .

الآيات في صفاتهم كثيرة. نؤمن بأن الملائكة خلق لله -تعالى- وذكر العلماء: أنهم أرواح، أرواح مستغنية عن أجسام تقوم بها كما ذكر ذلك ابن القيم في كتاب "الروح" ولأجل ذلك لا نراهم. ينزل المَلَك على النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يراه مَن حوله؛ وذلك لأنهم أرواح تَخْرِقها المسار؛ ولكن لهم قدرة على التشكُّل والظهور بصور مختلفة قد ورد كثرتهم.

ففي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « أطَّت السماءُ وحق لها أن تَئِطَّ ما فيها موضع أربع أصابع إلا ومَلَك قائم أو راكع أو ساجد »(63) وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنهم دائما يسجدون لله ويعبدونه، ففي حديث النواس يقول: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوانٍ ينفضهم .

ذلك خضوعهم لله -تعالى- تواضعهم لله إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلَّم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو رعدة شديدة فإذا سَمِع ذلك أهل السماء صُعِقوا وخرُّوا لله سجدا. كل ذلك دليل على أنهم خُلِقوا للعبادة؛ ولهذا يقولون: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ (64) .

وقد ذُكِر أن منهم خزنة النار وخزنة الجنة؛ لقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا (65) يعني: الذين يحمونها أو الذين يحفظونها أو نحو ذلك، وقد ذكر أيضا أن الإنسان موكَّل به ملائكة في قوله -تعالى-: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ (66) وفي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: « يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار »(67) .

وأما "الإيمان بكتبه": فهو أنا نؤمن بأن لله -تعالى- كتب أنزلها على أنبيائه، والكتب هي التي تكتب في صحف سواء أنزلها مكتوبة أو أنزلها مقروءة، ثم كانت نهايتها أن كتبت وضبطت .

ورد في بعض الأحاديث أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، ثم إنه ضمَّن المائة والأربعة في هذه الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، ثم إن معاني هذه الأربعة تضمَّنها القرآن، فأصبح القرآن متضمنا مائة كتاب وأربعة كتب.

ولهذا وصفه الله -تعالى- بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ (5) يعني: محتويا على كتب التي قبله يعني: على معانيها وعلي مفادها ومدلوله.

فكتاب الله الذي أنزله وخاتمة كتبه التي أنزلها على أنبيائه وهو أفضلها، حيث إنه وصفه بقوله: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ (68) ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (69) ولعله يأتينا -أيضا- كلام في الكتب.

أمَّا "الإيمان بالرسل" أو الإقرار بهم: فهو اعتقاد أن الله -تعالى- أرسل رسلا من البشر ورسلا من الملائكة كما في قوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ (70) .

فالملائكة رسلٌ إلى الأنبياء، يرسل الله الرسول المَلَكي إلى الرسول البشري بالوحي الذي يأمره أن يبلِّغه فمن الملائكة رسلا ومن البشر رسل. فالرسل من البشر واسطة بين الله -تعالى- وبين البشر ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (71) في حديث طويل ذكره ابن كثير عند قوله -تعالى-: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ (72) في سورة "النساء".

أحاديث عن أبي ذر أنه قال: « يا رسول الله، كم الأنبياء؟ فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسل، جَماً غفيراً »(73) .

الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر والأنبياء هذا عددهم، وإن لم يصح هذا الحديث فإن الآية صريحة في كثرتهم: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (74) .

إيماننا بالرسل إيمان مجمل، نصدق بأنهم مُصْدِقون وصادقون مصدَّقون، وأنهم لا يقولون إلا بما أوحي إليهم، ولا يبلغون إلا ما أرسلوا به، ولا يقولون شيئا من قبل أنفسهم، نصدق بذلك ونؤمن به.

يقول بعد ذلك يعني: "من عقيدة أهل السنة والجماعة قبول ما نطق به كتاب الله تعالى" "قبوله": دلَّ على أن كتاب الله -تعالى- هو حجتنا وهو دليلنا، فكتاب الله هو الذي أورثناه الله -تعالى-: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا (75) .

فالذين ورثوه هم المصطفون هم خيرة الله من خلقه هم صفوته، فمن عقيدتهم أنهم يقبلون كل ما نطق به وأنهم لا يردون شيئا، سواء ردًّا صريحا بالتكذيب به بأن يقولوا: هذه السورة ليست من القرآن، وهذه لم يتكلم بها الله أو هذه مكذوبة أو هذه الآية زائدة ليست من القرآن، بل أضافها إليه كُتاب أو نحو ذلك.

فإنَّ من كذب بكلمة من القرآن -القرآن كله متواتر- فقد كذب به كله، أي: حكمه حكم من كذب به؛ لأن كل كلمة فإنها متحققة الثبوت، القرآن كله نقل نقلا متواترا، فلا يحق لأحد أن يرد منه كلمة، كما لا يحق لأحد أن يزيد فيه حرفا أو يضيف إليه كلمة، تكفل الله -تعالى- بحفظه: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (76) .

فمِن عقيدة أهل السنة الإقرار والاعتراف والتقبل لكل ما جاء في كتاب الله تعالى وعبر بالنطق، كأن القرآن ينطق، يقولون إن كتاب الله ينطق بكذا وكذا، قد تقول: إننا نمسك القرآن الذي هو المصحف، ومع ذلك لا يتكلم! ولكن الموجود في داخله مكتوب بالحروف العربية الواضحة، إذا قرأتَها فكأنه نطق لك القرآن وأوضح لك فيقال: نطق القرآن بكذا يعني: احتوى على كذا واشتمل على كذا وكذا.

ذكر في القرآن مثلا أركان الإسلام وذكر في القرآن الحدود وذكر في القرآن البعث والنشور، وذكر في القرآن الأسماء والصفات هذا كله مما نطق به القرآن. فوظيفتنا أن نقبل ذلك.

كذلك أيضا ما صحت به الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة ما صحت به لأن هناك أحاديث لم تصح ولا رويت بأسانيد، ولكن فيها ضعف فلا تدخلها العقيدة ولا ندخلها بالشريعة إذا كانت غير صحيحة أو غير مقبولة، إنما نقبل الصحيح صحت به الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولم يشترط الإسماعيلي -رحمه الله- أن تكون متواترة بل أجمل ذلك، وإن لم تبلغ حد التواتر، فإذا صحت ولو كانت من الآحاد فإنها مقبولة، نقبلها ونقول بها إن صحت، وثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم يقول: لا معدل عن ما ورد به ولا سبيل إلى رده إن شكلت.

مَعْدِل يعني: لا عدول أي: لا يجوز لك أن تعدل عما ورد في القرآن، ولا عن ما ورد في السنَّة ولا يحق لك أن تتركه جانبًا، بل إذا عرفت أنه ثابت في كتاب الله تعالى، وصحيح في سنَّة رسوله فإنَّ عليك أن تقول به وأن تنطق به وأن تعتقده، ولو خالفك من خالفك ولو كثر الذين ينكرون عليك فإن دليلك دليل قوي.

دليلك كتاب الله الذي هو أصح ما جاء عن الله تعالى فيما بين أيدينا، ودليلك سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- الثابتة القوية فلا تعدل عن ما ورد به، ولا سبيل لك إلى رده. لا سبيل إلى رده بمعنى: أنه ليس لأحد مسلك أو سبيل إلى أن يرد شيئا مما جاء في هذه السنة أو في هذه الآيات، بل مَن رد شيئا من هذا كأنه رد الجميع.

إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة في قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ (77) والسنة منزلة كما أن القرآن منزل في قوله -صلى الله عليه وسلم-: « ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه »(78) يعني: السُّنة. فهم مأمورون باتباع الدليلين الكتاب والسنة والأمر من الله، وإذا كان من الله تعالى فإنه يجب امتثاله. لنتوقف إلى هنا.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

س: هذا سائل يقول: فضيلة الشيخ، مشاغل الخياطة كيفية زكاتها، وهل تزكَّى ما فيها من موارد خياطة وكذلك اللوازم المستخدمة للخياطة وماكينة الخياطة وغيرها ؟.

ج: لا زكاة فيما يستعمل الماكينة التي يخيط عليها لا تقدر؛ لأنها ليست للبيع وإنما هي للاستعمال، جميع ما يستعمل. .. ما يشتري للاستعمال. إنما الزكاة في النتاج، في الأجرة التي يأخذها ويتحصل عليها إذا حال عليها الحول، فالخياط مثلا إذا كان يخيط بالأجرة فإنه يجمع الأجرة فإذا تم عليها الحول زكّاها، إذا صار عنده أقمشة يبيع ويخيط فإنه إذا حال عليها الحول يقدر ما عنده من الأقمشة التي يبيع منها ويضيف إلى ما عنده من النقود ويزكِّي الجميع.

الغسَّال مثلا عنده مكائن التغسيل وما أشبهها لا زكاة فيها، الأجرة التي يجمعها من هذا ومن هذا إذا تم عليها الحول فإنه يزكيها، وهكذا جميع الأعمال أو حرف أهل الصناعات، الأدوات التي يستعملونها في الصناعة لا تقدر.

وهكذا أيضا ما ليس معدودا للبيع صاحب البقالة مثلا عنده ثلاجات تحفظ الفواكه وما أشبهها والأشربة، وعنده صناديق تحفظ الأمتعة فهذه لا تقدر ولا تزكَّى، إنما يزكَّى الشيء الذي للبيع.

س: وهذا يقول أشكل علينا فضيلة الشيخ قولكم: إن الملائكة أرواح بلا أجساد، فكيف الجمع بين ذلك وبين ما ورد أن جبريل -عليه السلام- رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- وله ستمائة جناح وأن صاحب الصور قد التقم ؟.

ج: لا منافاة بين ذلك فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يراه، وغيره من الحاضرين لا يرونه، جعل الله في النبي -عليه الصلاة والسلام- قوة إبصار يبصره وإن لم يكن له شبه ظاهر؛ ولهذا في حديث جبريل أنَّه لما تصوَّر بصورة رجل ثم سأل عن تلك الأسئلة، ثم قام قال لهم: ردُّوه فذهبوا فلم يروا شيئا مع أنه قريب ما له إلا دقيقة أو نصف دقيقة.

لم يروه مما يدل على أن الله أعطاه قوة على التشكُّل، الله -تعالى- خَلَق الجن أرواح بلا أجساد، وكذلك الشياطين أرواح بلا أجساد، وكذلك الملائكة أرواح بلا أجساد، وخلق الإنس والبشر أرواح وأجساد.

فالرُّوح التي في الإنسان هي التي بها حياتُه فإذا نزعت الروح من الإنسان مات وبقي جسدا بلا روح. الروح إذا خرجت من هذا الجسد لا نبصرها ولا نراها، ورد في الأحاديث أن الملائكة يحضرون عنده كما في قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (79) .

هل نحن نراهم إذا حضروا عند الميت؟! ورد في الحديث حديث البراء المشهور: « إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، نزلت عليه ملائكة بيض الوجوه معهم أكفان من الجنة وحنوط من الجنة وياسمين من الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ويأتيه ملك الموت فيقول: أيها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج منه تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، أو فَسَيَّلها منه كما تسيل الشعرة من العجين »(80) .

فنحن لا نرى مَلَك الموت ولا نرى الملائكة، إذن هذا دليل على أنهم خلق من غير جنس هذا الخلق.

س: وهذا يقول: كيف نجمع بين قولي النبي -صلى الله عليه وسلم-: « إن الله كتب مقادير العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة »(81) وقوله -صلى الله عليه وسلم-: « لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر »(82) ؟

ج: يعني. .. ما هكذا بينهما، فالله -تعالى- كتب مقادير الخلائق ولا يتغير شيء عما خلقه، ولكن جعل أسبابا أزلية في هذا الكون كما أن الأعمال الصالحة أسبابٌ أزلية في السعادة، والأعمال السيئة أسبابٌ أزلية في الشقاوة، فكذلك من جملة الأسباب الأزلية البر مثلا وحسن الخُلُق وصلة الرحم وما أشبه ذلك.

فقوله: « من أحَبَّ أن يبسط له في رزقه وينسأ له أثره فليصِل رحمه »(83) جعل ذلك سببا ولكن ليس هو مغيرٌ في قدر الله الذي كتبه قبل أن تخلق المخلوقات، ولكن أنه مكتوب في الأزل أن هذا يُزاد عمرُه بسبب البر بسبب الصلة، ولو كان عاقًّا لكان عمره ناقصًا، وهذا يزاد في رزقه بسبب الدعاء، ولو لم يدع لكان رزقه ناقصًا.

كتب الله أنه يدعو، وأن هذا يعصي، وأن هذا يطيع، وأن هذا يعمل صالحًا فيسعد، فكل ذلك مكتوب في الأزَل ليس يعني أمرًا حادثًا، بل هو أمرٌ أزلي.

ونصدق بذلك كلِّه؛ ولذلك الصحابة لما قالوا: « يا رسول الله، أفلا نَتَّكل على كتابنا ونَدعُ العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له »(84) .

فالله -تعالى- يسَّر الإنسان وهداه ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ (85) وكل ذلك موافق للقضاء والقدر، لكن الإنسان مأمور بأن يعمل وأن يجتهد في العمل وأن يعتقد بأن هذا لا يخالف القضاء والقدر.

س: وهذا يقول: أنا طالب أحْضر دروس هذه الدورة من بعد صلاة العصر ولا أخرج من المسجد إلا بعد انتهاء الدرس الذي بعد صلاة العشاء، فهل لي أن أنوي بذلك الاعتكاف؟

ج: لك أجر على هذه المراقبة وهذه الملازمة -إن شاء الله- أما الاعتكاف فالذي نعرف أن أقله يوم كامل أو ليلة كاملة يعني: من طلوع الشمس إلى غروبها، يوم كامل نهار أو من غروبها إلى طلوعها ليلٌ كامل يعني: ليل؛ لأن أقل ما ورد فيه يوم أو ليلة، ولكن الذي يلازم المسجد ويجلس فيه بالنية فله أجر الملازمة. .. فله أجر النية الصادقة، وله أجر انتظار الصلاة « فإن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه »(86) أو « هو في صلاة ما انتظر الصلاة »(87) الملائكة تستغفر له، له أجر -إن شاء الله .

س: في الحديث الذي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله خلق مائة رحمة. .. إلى آخر الحديث فهل الرحمة التي هي صفة من صفات الله مخلوقة؟

ج: الرحمة التي قذفها في قلوب العباد لا شك أنها مخلوقة يعني: جعل الله في قلب الإنسان رقَّة يرحم بها ولده ويرحم بها مَن يستحق أن يُرحم، وأما وصف الله -تعالى- بأنه رحيم وبأنه يرحم العباد فإن هذا صفة من صفاته، فالرحمة التي خلقها هي التي يرحم بها عباده، وأما الصفة التي هي من صفاته « خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي »(88) فهذه صفة من صفاته، وصفات الله ليست مخلوقة.

س: وهذا يقول: ما هو الموقف حين يختلف علماء السُّنَّة في مسألة من المسائل؟

ج: إذا كان الاختلاف في الفروع فالأمر يسير اختلفوا مثلا في الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية، ولك أن تنظر في أدلتهم وتفعل ما يترجح عندك، مثلا واختلفوا في وجوب القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية، والأمر في ذلك أيضًا يسير، مثلا واختلفوا في وضع اليدين في الصلاة منهم من يسدِل ومنهم مَن يضع والأمر في ذلك يسير، ولك أن تختار مثلا الدليل.

فهذا الاختلاف في الفروع وإن كان إذا عرف الإنسان الدليل فإنه يتبعه، أما في مسائل العقيدة فإن الأصل أنَّك تختار ما كان عليه السلف الأول الصدر الأول الذين هم سلف الأمة وأئمتها وأهل الحديث، هؤلاء هم الذين يُقَدَّمون.

فإذا وجدت أقوال مخالفة لأقوالهم كأقوال: الكرامية وأقوال الكُلاَّبية وأقوال الجَاحِظيَّة والهُذَلية. فنقول: هذه أقوال حادثة بعد الصحابة والتابعين وتابعيهم وبعد سلف الأمة، وهذه أقوال لا مستند لها وليس عليها دليل من الكتاب أو السنة، فلا نقبلها وفي الأقوال الصحيحة غُنْيَة عنها.

س: وهذا يقول: نحن مجموعة من المدرسين نذهب من مدينتنا إلى قرية تبعد مائة كيلو نذهب بعد صلاة الفجر وبعد نهاية الدوام نرجع فلا نَصِل إلا قبيل العصر بحوالي ربع أو ثلث أو نصف ساعة، ونكون مجهدين تماما فإذا نمنا ما استطعنا القيام للصلاة فهل لنا أن نجمع الظهر مع العصر. أفتونا مأجورين؟.

ج- ليس لكم ذلك ما دام أنكم تَصِلون قبل العصر، ننصحكم أن تُصَلُّوا في الطريق وألا تسرعوا في السير. .. تصلوا في الطريق وبعدما تَصِلُون لكم أن تناموا لراحة أجسامكم، أما الجمع فما دام أنكم تَصِلون قرب الوقت فليس لكم ذلك، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ..

نعرف أن الله -تعالى- يأمرنا دائما باتباع كتابه ويحثنا على اتباع نبيه ويذكر عاقبة مَن اتبع هذا النبي وحُسْنَ العاقبة له مثل قول الله -تعالى-: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (77) الاتباع هو السير على نهجه، أيْ: سيروا على منهجه وطبِّقوه واعْمَلوا به.

الأصل في الاتباع أنه اتباع الآثار. إذا سَار إنسانٌ مع طريق ثم إنك سرت معه تقول: اتبعتُ أثَر فلان، اتبعت فلانًا في مذهبه وذهبت إلى ما ذهب إليه، ثم أطلق الاتباع على الأعمال على التطبيق للأعمال.

فالله -تعالى- أمَرَنا باتِّباع الكتاب والسنة. .. أمرنا باتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا شك أن الاتباع هنا الاتباع بالأعمال الصالحة، بمعنى: السير على نهجه وتطبيق سُنَّته، والعمل بما أمر به. يسمي هذا اتباع، فهوَ معنى قوله: "إذا كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة".

وقد وردت الأدلة في الأمر باتباع الكتاب والسنة في آيات كثيرة مثل قول الله -تعالى-: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (89) "اتبعوني" يعني: أطيعوني، الاتباع بمعنى الاقتداء به وهو -أيضا- التأسي: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (90) كذلك قال -تعالى-: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (91) .

رتّب الاهتداء على اتباعه وهو يُفهم منه أنّ ترْك الاتباع له ضلال، فالاهتداء ضده الضلال، فمن اتبع الرسول -صلى الله عليه وسلم- اهتدى، ومن ترك اتباعه واتبع هواه ضل.

كثيرا ما يذكر الله -تعالى- ضلال من اتبع هواه يذكر ذلك في قوله -تعالى-: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (92) يعني: اتبعوا ما تهواه أنفسهم ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (93) يعني: كلما يهوى شيئا إلا ركبه.

فالذين يتبعون أهواءهم هم الضالون، والذين يتبعون السنة والكتاب هم المهتدون، هذا معنى قوله: "مضمونا لهم الهدى فيهما" يعني: ضمن الله -تعالى- الهدى لمن اتبع كتابه وسنة نبيه ﴿ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (91) ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا (94) والأدلة كثيرة في ذلك.

"مشهودًا لهم بأنَّ نبيهم -صلى الله عليه وسلم- يهدي إلى صراط مستقيم" يعني: يدل على الصراط ويحث على سلوكه، قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (95) صراط الله الذي أمر بسلوكه هو الذي بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم.

فصراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض هو الذي بينه نبيه -صلى الله عليه وسلم- وهدى إليه، فمن سار عليه فإنه من المهتدين، ومَن أخطأه فإنه من الضالين.

فالأصل أن الصراط هوَ الطَّريق الواسع الذي يصفه النَّاس ولا يضيق بهم، ومنه سُمِّيت السُّبل طُرُقا وسبلا يعني: يُسار عليها، فسبيل الله -تعالى- واحد وهو الذي بينته الرُّسل، وهو الذي بلَّغه النبي -صلى الله عليه وسلم- قال الله -تعالى-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (96) .

في الحديث الصحيح: « أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطَّ خطًّا مستقيما ثم خطوطًا عن يمين ذلك الخط منحرفة يمينًا ويسارًا، فأشار إلى الخط المستقيم وقال: هذا صراط الله -يعني: الصراط المستقيم- وهذه سبلٌ على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ هذه الآية من سورة "الأنعام": ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ »(97) .

الصراط الذي يهدي إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- هو دين الله الذي جاء به وبلَّغه، فمَن سار عليه فإنه على الهدى المستقيم، ومن ركب بنيات الطريق هلك وضل.

يقول: "السبل على كل سبيل منها شيطان": هذه السبل هي البِدَع والمحدثات التي أُحدثت بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن الذين يدعون إليها شياطين: إما شياطين الجن وإما شياطين الإنس يعني: هؤلاء شياطين يدعون إلى طريق الروافض، هؤلاء شياطين يدعون إلى طريق المعطِّلة، هؤلاء شياطين يدعون إلى طريق الجبرية، هؤلاء شياطين يدعون إلى طريق الخوارج، وهؤلاء يدعون إلى طريق المرجِئَة. .. وهكذا.

وكذلك -أيضا- الطرق والمناهج المحدثة يعني: هؤلاء يدعون إلى الكفر، وهؤلاء يدعون إلى النفاق، وهؤلاء يدعون إلى الشيوعية، وهؤلاء يدعون إلى البعثية، وهؤلاء يدعون إلى العلمانية،. .. وهكذا محذَّرين في مخالفته الفتنةَ والعذابَ الأليم أخذ هذا من الآية التي في آخِرِ سورةِ "النور" وهي قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (98) .

بعدما أمَر الله -تعالى- بطاعة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وبعدم الخروج إلى شيء إلا بإذنه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ (99) .

الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ (99) ثم قال: ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (98) .

قد يكون سبب النزول خاصًّا وهو أنه ينهاهم ويقول: اجلسوا ها هنا فيخالفونه ويجلسون في غيره، يقول: الزموا هذا الثغر، الزموا هذا المكان احفظوا هنا في الخندق مثلا فيتركون أمره ويخالفونه، ولكن الآية عامة يدخل فيها كل من خالف سنة جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم.

مشهور عن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- قوله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله -تعالى- يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (98) .

أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشِّرك. لعله إذا أراد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزَّيغ فيهلك، فهكذا يمثل -رحمه الله- في زمانه أناس يقلدون سفيان الثوري ويتبعون رأيه مع أنه مجتهد ومحدِّث فيقلدونه وهم يعرفون الأحاديث، يتعجب منهم الإمام أحمد كيف تعرفون الأحاديث وتقلدون الرجال!! ألستم بذلك مخالفين للنبي -صلى الله عليه وسلم-؟! تعرفون أمره ثم تتركونه وتتبعون رأي فلان وفلان؛ هذا هو المخالفة إذا خالفتموه فلا تأمنوا أن تصيبكم فتنة أو يصيبكم عذاب أليم.

بعد ذلك يقول يعتقدون يعني: أهل السنة وأهل الحديث أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى وموصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه ووصفه بها نبيه -صلى الله عليه وسلم- وهذه الجملة كررها كما سيأتي.

عقيدة أهل السنة إثبات أسماء الله تعالى، وكذلك دعاؤه بها، قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ (100) الأسماء الحسنى هي التي سمى بها نفسه وهي التي بلغت الحسن أو بلغت النهاية في الحسن، فهي حسنة كلها ليس فيها ما هو غير حسن. .. ما هو موصوف بالقبح.

وردت أحاديث كثيرة في ذكر بعض الأسماء الحسنى مثل التِّسعة والتسعين التي ذُكِرَت في بعض الأحاديث، وروى أبو هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « إن لله تسعًا وتسعين اسما مائة إلا وحدًا من أحصاها دخل الجنة »(101) فلما روي هذا الحديث عمد بعض الرواة فجمعوها من القرآن فبلغت تسعة وتسعين اسمًا، وأخذوا الأسماء التي في آخر سورة الحشر، "الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور" ثم جمعوا مواضع من القرآن: الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط إلى آخره.

ولكن الصحيح أن أسماء الله لا تحصر في هذه التسعة والتسعين، بل أسماء الله كثيرة ليست هذا المقدار، والدليل عليه الحديث الذي رواه أحمد -رحمه الله- وفيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: « إذا أصاب أحدكم هم أو غم فليقل: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب غمي وهمي إلا أذهب الله غمه وهمه وأبدله مكانه فرحا »(102) .

ذكر في الحديث قوله: « أو استأثرت به في علم الغيب عندك »(103) يدل على أن لله أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده ولم يطلع عليها أحدا سمّى بها نفسه أو علمها أحدا من خلقه أو أنزلها في كتبه أو استأثر بها، فالكل من أسماء الله الحسنى الدعاء بها هو سؤال الله تعالى بأسمائه وجعل الأسماء كوسيلة.

إذا أردت أن تدعو الله فإنك تُقدم بين يدي الدعاء ذكرا للأسماء فتقول: يا رحيم يا رحمن ارحمنا برحمتك يا عزيز يا غفور اغفر لنا بواسع مغفرتك. .. وهكذا يدعوه بأسمائه فتقول في كل اسم: يا عزيز يا رحمن يا ملك يا قدوس. .. وهكذا.

هذا معنى ادعوه بها، ويمكن أن يكون الدعاء مقدم بين يديه الثناء على الله تعالى، وأفضل ما يثني عليه ذكره بأسمائه الحسنى.

ثم قد أكثر العلماء من الكلام في أسماء الله، فتكلم عليها الإمام البيهقي -رحمه الله- في كتابه المطبوع "الأسماء والصفات" كان هذا الكتاب طُبِع قديمًا بتحقيق زاهد الكوثري، ولكنه أفسده وحمّله محامل بعيدة، ثم أعيد طبعه بتحقيق بعض العلماء المخلصين من أهل السنة، وسلموا من تلك التعليقات التي أفسدته، ونبَّه المحقِّق على الأخطاء التي وقع فيها البيهقي والتأويلات، وعلى تحريف ذلك المعلِّق الأول الذي هو الكوثري. سرد الأسماء الحسنى في أوله وتكلم على معانيها، وكذلك نظمها كثير منهم، من العلماء، إن كان النظم الذي أوله قول الشاعر:

أيا طيب الأسماء يا من هو الله *** ومَن لا يسمى بذاك الاسم إلا هُو

نظم التسعة والتسعين في أبيات على هذا النمط، وكذلك سردها كثير من العلماء ومنهم ابن القيم في كتابه "الصواعق" ومنهم المتأخرون كالحافظ الحكمي في شرح السلم "معارج القبول شرح سلم الأصول" وغيرهم ممن تكلموا على أسماء الله تعالى وسردوا ما وقفوا عليه.

وبعضهم أخذ أسماء وردت في بعض الأحاديث وإن لم يكن يصدق أنه يسمى بها كابن حزم في "المحلى" فإنه تتبع الأسماء التي وردت في الأحاديث، وذكر فيها أسماء لا يليق أن يتسمى الله -تعالى- بها؛ لكونها وردت في الأحاديث مثل: قوله في الحديث القدسي: « يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر »(104) فجعل الدهر من أسماء الله مع أن الدهر هو الزمان، وأن الله -تعالى- قال: وأنا الدهر بمعنى: وأنا المتصرف في الدهر.

أما الصفات التي ذكر الله -تعالى- ووصف بها نفسه على وجه المقابلة فلا يجوز أن يشتق منها اسم كما اعتقد ذلك بعضهم مثل: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ (105) فلا يقال من أسمائه المخادع، ومثل قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (106) فلا يقال: من أسمائه المستهزئ، ومثل قوله: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (107) فلا يجعل من أسمائه الكائد.

وكذلك الأفعال التي ذكرها عن نفسه مثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ (108) لا يقال من أسمائه الجائي، أو ﴿ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ (109) فلا يقال: من أسمائه الآتي، أو في قوله: ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا (110) فلا يقال: من أسمائه المعذِّب. .. وما أشبه ذلك.

ثم من أسمائه ما لا يجوز ذكره مفردا إلا مع المقابل له مثل الأسماء المزدوجة مثل قوله: "الخافض الرافع" لا يقتصر على واحد، "المعز المذل" لا يقتصر على واحد؛ لأنهما متقابلان، "المعطي المانع". .. وأشباه ذلك. نبه على هذا كثير من العلماء ومنهم الشيخ ابن سلمان في كتابه "الكواشف الجلية" وشرح "العقيدة الواسطية" وغيرها.

أما صفات الله: موصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه ووصفه بها رسوله -صلى الله عليه وسلم- هذه العبارة يذكرها جميع أهل السنة في مؤلفاتهم، فيقولون: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه -صلى الله عليه وسلم- ويعللون بقولهم: إنه -تعالى- أعلم بنفسه وأعلم بغيره، فإذا كان هو أعلم بنفسه فأثبت لنفسه صفات فإنا نثبتها ولا نتحاشى من إثباتها، بل نؤمن بها حقا ونعتقد صحتها لعقيدة المسلمين مهما شنع المشنعون وأنكر المنكرون، وسيأتينا أمثلة لها.

وكذلك ما وصفه به النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وذلك لأنه أعلم بربه. .. أعلم بمن أرسله، فالله -تعالى- خصه بالرسالة وأطلعه على ما أطلعه عليه من العلم، وكلفه بالبيان وبالبلاغ فلا بد أنه عالم بربه عالم بما يجوز على الله -تعالى- فإذا أثبت لله -تعالى- صفة أو صفات فإنا نتقبلها ولا نردها؛ لأننا إذا رددناها فقد رددنا ما بلّغه أو ما جاء به فنكون من الذين لم يتبعوه ولم يتقبلوا سنته، فلا يتحقق لنا الاتباع في قوله: ﴿ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (91) .

الصفات التي وصف الله بها نفسه يأتينا بعض تفاصيلها ولكنها كثيرة وقد سرد شيخ الإسلام ابن تيمية في أول رسالة "العقيدة الواسطية" في ثلاث ورقات آيات فيها الصفات وفيها الأسماء يسردها متتابعة، فيسرد مثلا آيات العزة ثم يأتي بآيات الحكمة ثم يسرد آيات الرحمة، ثم يأتي بآيات الأفعال كآيات المكر وآيات الكيد وآيات الأسف في قوله: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا (111) وكذلك آيات الكلام، وآيات المجيء وآيات الاستواء، وآيات العلو وآيات المعية. .. وما أشبهها.

وكذلك أيضا الأحاديث التي ورد فيها شيء من الصفات مثل: أحاديث النزول وأحاديث الضحك، وأحاديث العجب وأحاديث الفرح، وأحاديث الأسماء والأفعال، وأحاديث الرؤية. .. وما أشبهها كلها نتقبلها؛ وذلك لأن الذي بلغها هو الذي بلغ الرسالة. فإذا قبلنا الأحكام: الصلاة والصيام والحج. .. ونحوها، فإننا نقبل العقيدة التي هي أساس الأعمال والتي صحتها شروط لقبول الأعمال، فنقبل ما جاءنا من الآيات والأحاديث في أمر العقيدة، أمر صفات الله تعالى حتى تصح عقيدتنا ثم تصح أعمالنا وتتقبل.

هذه الجملة كررها في الصفحة التي بعدها "موصوف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم" كذلك قوله: "خلق آدم بيده" كررها أيضا قال الله -تعالى- مخاطبا إبليس: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (112) أثبت الله -تعالى- لنفسه اليدين، كذلك قال الله: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ (113) .

استدل بهذه الآيات على إثبات اليدين ذكرهما الله -تعالى- بلفظ التثنية "يدي" وكذلك "يداه" وقد ورد ذكر اليد بلفظ المفرد: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ (114) وكذلك قال: ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (115) .

والمراد بالإفراد هنا الجنس يعني: جنس اليد فنثبت لله -تعالى- اليد ﴿مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ (113) بلا اعتقادِ كَيْفٍ يعني: لا نُكَيِّفُها.

ذكر ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (116) سرد الأحاديث التي فيها ذكر اليد والتي فيها قبض المخلوقات.

وقبل أن يسردها قال: وقد وردت أحاديث في معنى هذه الآية الطريق فيها طريقة أهل السنة، وهو إمرارها كما جاءت بلا كيف، يعني: أنهم يمرونها كما جاءت ويقرُّونها ولا يكيفون، لا يقولون: كيفية اليد كذا وكذا، لا يقولون إن كيفية اليد أنها مركبة مثلا كيد الإنسان التي هي مركبة من عظام ومن عصب ومن جلود ومن شعر، وفيها أنامل وفيها مفاصل، وفيها أظفار وفيها سواعد، وفيها عضد ومرفق وكتف وكوع وكرسوع. .. ونحو ذلك، لا بل يقولون: أثبت الله -تعالى- لنفسه اليد ونعلم أنها يد حقيقة، ولكن لا ندري ما كيفيتها. هذه طريقتهم بلا كيف.

معلوم أن المراد بالبسط هنا البسط بالعطاء بل يداه مبسوطتان بالعطاء ينفق كيف يشاء؛ وذلك لأن اليهود وصفوا الله بالبخل فقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ (113) يعني: عن النفقة وعن العطاء وعن الكرم، فهو بخيل. هكذا أرادوا فردّ الله عليهم وكذبهم، وأخبر بأنه واسع العطاء وأن يداه مبسوطتان بالعطاء يعطي كما يشاء، فيطلق "غل اليد" على البخل ويطلق "بسطها" على النفقة وعلى كثرة العطاء.

قال الله -تعالى- في سورة "الإسراء": ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ (117) ليس معناه أنه يربط يده إلى عنقه بل المراد أنه يمتنع عن العطاء الذي يده مغلولة كأنه هو البخيل الذي لا ينفق شيئا، والذي يبسط يده كل البسط هو الذي يبذر ويفسد المال ويكثر من إعطائه فوق الحاجة.

﴿ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ (117) يعني: ولا تبسطها بالإعطاء كل البسط بل الوسط خير. هكذا فسر البسط بأنه النفقة. .. "مبسوطتان" بالعطاء والنفقة، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ (117) يعني: بكثرة العطاء وبكثرة الإنفاق.

والحاصل أن الله -تعالى- أخبر بأن له يدان وأنهما مبسوطتان ينفق كيف يشاء بلا اعتقاد كيف، ثم قال وأنه -عز وجل- استوى على العرش بلا كيف، فإن الله انتهى من ذلك إلى أنه استوى على العرش ولم يذكر كيف كان استواؤه. .. هذه صفة أيضا، والصحيح أنها صفة فعلية. .. أن الاستواء صفة فعلية؛ وذلك لأننا نعتقد أن العرش مخلوق.

وإذا كان العرش مخلوقا فإن الله -تعالى- استوى عليه بعد ما خلق، ونعتقد أن العرش سرير لا يعلم قدره إلا الله كما ورد في حديثٍ رواه ابن جرير في تفسير آية "الكرسي" عن زيد بن أسلم وعن أبي ذر وفيه في تفسير قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (118) قال: "ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس".

السماوات مع عظمها والأرضون مع عظمها كدراهم، الدرهم: هي قطع صغيرة من الفضة ألقيت في ترس، الترس: هو المجن الذي يلبس على الرأس، ماذا تشغل الدراهم من هذا الترس.

ثم قال: والكرسي في العرش كحلقة ألقيت في أرض فلاة. الحلقة: هي القطعة من الحديد المتلاقية في الطرفين إذا ألقيت في أرض فلاة فماذا تشغل؟ ماذا تشغل من الأرض؟ فإذا كان هذا مقدار الكرسي بالنسبة إلى العرش فماذا يكون مقدار العرش؟!.

ثم الله -تعالى- الذي استوى على العرش أعظم من أن يوصف وأن يُحد بأصل يكيفه أو نحو ذلك. فنحن نقول: استوى على العرش كما أخبر ولا نكيِّف الاستواء ولا نكيِّف سائر الصفات كاليد ونحوها.

ومشهور عن الإمام مالك -رحمه الله- سئل. .. جاء رجل وقال أرأيت قول الله -تعالى-: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (119) كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء -يعني: العرق- ثم رجع وقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ولا أراك يا هذا إلا مبتدعا، ثم أمر به فأخرج.

هكذا رُوي عن مالك، وفي رواية مالك: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، روي أيضا عن شيخه ربيعة أنه قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم.

فكأن مالكا أخذ هذا الأثر من شيخه الذي تعلم عليه كثيرا من العلوم، وشيخه ربيعة بن عبد الرحمن من كبار التابعين، كذلك أيضا قد روي هذا الأثر عن أم سلمة، والصحيح أنه موقوف عليها وقد روي مرفوعا، ومعناه أنَّا نعلم معنى الاستواء: أن الاستواء معلومٌ معناه وظاهر معناه.

ولأجل ذلك فسره العلماء فهو معروف يفسر ويوضح ويترجم من لغة إلى لغة فهو معلوم لا يحتاج إلى خطأ، ولكن للاستواء كيفية هذه الكيفية هي التي نقول: إنها مجهولة فنتوقف عن الكيفية ونفسر اللفظ بما يليق بالله تعالى.

وهكذا بعضهم يقول: استوى استواء يليق به ويتركون الإيضاحات، وأكثرهم يفسرونه فابن جرير -رحمه الله- كلما مر بآية من آيات الاستواء يفسرها بالعلو والارتفاع ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (120) أي: علا وارتفع، أي: علا عليه، وذلك استنادا منه إلى معنى الكلمة في اللغة، وأن هذا هو الذي تدل عليه هذه اللفظة، وكذلك تفسر بالاستقرار ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (120) يعني: استقر عليه.

وقد تكلم المبتدعة على هذه الآية ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (120) وبالغوا في إيرادات وشبهات يموهون بها على من يفسر هذا الاستواء بالاستقرار، وتجدون من بالغ في سردها.

الخطيب الرازي صاحب "التفسير الكبير" ويقال له خطيب الري فإنه لما تكلم عليها في سورة "الأعراف" أورد عليها شبهات يموه بها، فيقول يرد عليها بوجوه منها كذا وكذا ومنها كذا وكذا ومنها كذا وكذا، ولما انتهى من تلك الوجوه التي أوردها على تفسير الاستواء بالاستقرار، بعد ذلك ذكر التفسير الذي يختاره فذكر أن السلف كانوا يفوضونها ويسكتون ولا يتكلمون، وهذا ليس بصحيح ثم ذكر أن الخلف كانوا يفسرونها وتفسيرهم لها في الحقيقة أنه تأويل. .. أنه صرف لها عن ظاهرها.

فذكر أن بعضهم فسر الاستواء بالاستيلاء "استوى" يعني: استولى، وبعضهم فسر العرش بأنه الملك، وأطالوا في ذلك ولا حاجة بنا إلى مناقشتهم، وقد رد عليهم العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك ابن القيم في "الصواعق" وكذلك ابن أبي العز في "شرح الطحاوية" ردوا عليهم وبينوا شبههم.

والحاصل أن الله -تعالى- ذكر الاستواء وقال: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (120) انتهى من ذلك إلى أنه استوى على العرش ولم يذكر لنا كيفية الاستواء.

في الفقرة الثالثة يقول: "وأنه مالك خلقه، وأنشأهم لا عن حاجة إلى ما خلق، ولا لمعنى دعاه إلى أن خلقهم، لكنه فعال لما يشاء، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يُسأل عما يفعل، والخلق مسئولون عما يفعلون".

نعتقد أن الله تعالى هو الذي خلق الخلق، وما في الوجود مخلوق إلا الله خالقه، جميع المخلوقات، ليس أحد يقدر على أن يخلق حيوانا، أية حيوان، لو اجتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا بعوضة، يركبوا فيها أجنحتها وأيديها ومفاصلها وما أشبه ذلك، وينفخوا فيها الروح حتى تطير، لم يقدروا، إلا ما ذُكر عن عيسى، قد ذكر الله تعالى عنه قوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي (121) .

فهذا إذنٌ من الله تعالى أن أقدر عيسى على أن يصور صورة طير من الطين، ثم ينفخ فيها فتطير، ذكروا أنه يطير حتى إذا اختفى سقط ميتا؛ ليُعرف بذلك الفرق بين ما خلقه الله وما خلقه عيسى.

أما الخلق -بقية الخلق- فلن يستطيعوا أن يخلقوا أصغر مخلوق، قال الله تعالى: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ (122) لن يخلقوا ذبابا، من أحقر المخلوقات هذا الذباب، لو اجتمعوا على أن يخلقوا هذا الذباب، وأن يركبوا فيه مفاصله وأوصاله وسمعه وبصره وشمه وأسنانه وأمعاءه وأجنحته لن يستطيعوا، بل الخلق خلق الله.

وإذا قيل: أليس الإنسان يتسبب في خلق الولد؟ نقول: الله تعالى هو الذي يخلق الأولاد، قدَّر أن هذا الاتصال بين الذكر والأنثى يسبب خلق المولود وتولده بين اثنين، قدر ذلك، فهو الذي قدره، وهو الذي يخلقه.

ليس الإنسان هو الذي يخلق أولاده، ولو كان كذلك لاختار مثلا أن يكون أولاده ذكورا، ولاختار أن يكون خلقهم حسنا، ولاختار أن يكون خلقهم تاما، فلا يكون هناك معطوب، ولا يكون هناك معاق، ولا يكون هناك ناقص الخلق، ولا يكون هناك سيئ الخلقة وما أشبه ذلك؛ فدل على أن الله تعالى هو الذي يخلقهم، وهو الذي فاوت بينهم.

قال: "مالكهم" هو الذي يملكهم ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ (115) الخلق كلهم ملكه، وتحت تصرفه وتقديره، خلقهم وأنشأهم، لم يخلقهم لحاجة، ليس لحاجة أوجدهم وأنشأهم، بل هو الغني عنهم، وهم الفقراء.

في الحديث القدسي الذي في صحيح مسلم يقول الله تعالى: « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته »(123) .

ثم قال: « يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته... يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته... يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم »(123) إلى آخر الحديث.

فيخبر بأنه غني عنهم، وأنهم لو اجتمعوا كلهم على أتقى قلب رجل ما زاد ذلك في ملكه، أو اجتمعوا على أشقى قلب رجل وأفجر قلب رجل ما نقص ذلك في ملكه، وأنهم لن يبلغوا نفعه، ولن يبلغوا ضره.

"لا عن حاجة خلقهم": لم يكن بحاجة إليهم، ولكن خلق هذا الخلق وأوجده للابتلاء والامتحان، أوجد هذا المخلوق حتى يبلوه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (124) وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (125) خلق الموت وخلق الحياة، وخلق هؤلاء المخلوقين، وأوجدهم ويعني قدَّر أنهم يحيون الحياة التي يعيشونها، وقدر أرزاقهم، وكذلك أمرهم ونهاهم، فكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره.

"لا عن حاجة إلى ما خلق ولا لمعنى دعاه إلى أن خلقهم" أي: ليس هناك دافع دفعه إلى خلقهم وقد ذكرنا قوله: « يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني »(123) فليس بحاجة إليهم لا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي، بل هو النافع الضار ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (126) يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن.

أراد إيجاد هذه المخلوقات، وكذلك أوجد جميع الحيوانات صغيرها وكبيرها، أوجد الدواب والحشرات والطيور والوحوش والسباع والهوام وغيرها، هو الذي أوجدها وجعلها آية على قدرته، حيث خلق هذه المتضادات، وحيث أنشأها مع اختلافها، أليس ذلك دليل على كمال قدرته؟ حيث خلق هذه المخلوقات وجعلها تتوالد كما يشاء.

مُشاهَد آيات الله تعالى أن كل مخلوق إنما يلد من جنسه، فمثلا السبع يلد سبعا مهما كانت أحواله، ولو رُبي ثم ربي، ذكر بعض أهل القصص أن امرأة أخذت جرو ذئب فربته في بيتها وأرضعته من شاتها، جرو ذئب صغير، ولما كبر بدأ فعقر شاتها مع أنه أليف لهم فأنشأت تقول:

عقرت شويهتي وفجعت قلبي *** وأنت لشاتنـا ولـد ربيب

غذيـت بدرها ونشأت فينا *** فمن أدراك أن أبـاك ذيـب

إذا كان الطباع طباع سـوء *** فليس بنافـع فيها الأديـب

فلو غُيِّرت طباعه ما تتغير هكذا طُبع ولد السبع يكون سبعا، ولد الأنعام بهيمة الأنعام يكون تابعا لها، وأولاد الطيور بيض الطيور، لو جمعت مثلا بيضا بيضة حمامة وبيضة دجاجة وبيضة عصفور مثلا، وبيضة حبار وبيضة نعامة، وجعلتها بمكان لفقست وصارت كل واحدة مثل أمها التي باضتها، لا يمكن أن تتغير، هكذا خلق الله كل شيء يكون ولده مثله، لا شك أن هذا دليل على قدرة الله ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ (54) .

ثم يقول "لا يسأل عما يفعل" أخذ ذلك من الآية في سورة الأنبياء: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (127) أي: أنه يفعل ما يشاء، ولا يجوز أن يقال لماذا فعل الله كذا؟ بل أفعال الله تعالى لا تعلل.

الله تعالى حكيم في أفعاله لا يجوز أن تسأل وتقول: لماذا خلق الله هذه الحشرة؟ ما فائدة خلق هذه السباع؟ ما فائدة خلق هذه الدواب؟ هذه ضارة ومؤذية، ما فائدة خلق هذا الذباب؟ وما أشبه ذلك الله حكيم في أمره، لا يجوز أن يسأل عن الحكمة في خلقه؛ لأنه حكيم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد الخلق يُسألون ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ (127) .

يقول "مدعو بأسمائه" تقدم قريبا أنه أمرنا بأن ندعوه بأسمائه ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (100) "موصوف بصفاته" تقدم قريبا أيضا أنه "موصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، وسماه ووصفه بها نبيه -صلى الله عليه وسلم- لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يوصف بما فيه نقص أو عيب أو آفة، فإنه متعال عن ذلك.

"لا يعجزه شيء" هذا من صفات السلب، من الصفات السلبية، نقول إنه تعالى أخبر بأنه لا يعجزه شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء في عدة آيات، وذلك دليل على كمال قدرته.

إذا وصفناه قلنا لا يعجزه شيء، فهذا السلب دليلا على كمال القدرة؛ لأن الصفات السلبية إنما يوصف بها إذا كانت تدل على إثبات، ولا يوصف بما فيه نقص أو عيب، الصفات التي فيها نقص أو عيب لا يوصف بها، بل نزه الله تعالى نفسه عنها، لقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (118) ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ (128) ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (129) وأشباه ذلك. لنقف عند هذا.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

س: سائل يقول فضيلة شيخنا الشيخ عبد الله ما حكم إجبار الأب أو الجد بطلاق زوجته عند مرضه من قبل ورثته؟

ج: حرام ذلك، ثم لو طلق لم ينفذ طلاقه، ذلك لأن الأولاد الذين يجبرون أباهم على أن يطلق امرأته، يريدون بذلك حرمانها من الإرث، والإجبار لا ينفذ، وكذلك أيضا لو طلق بدون إجبار، ولكنه في مرض الموت، فإنه لا يسقط نصيبها من الإرث؛ لأن من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه، فالذي يطلق امرأته في مرض الموت أو وهو مريض ترث منه امرأته شاء أم أبى، حتى ولو انتهت العدة إلا إذا تزوجت قبل موته.

س: أحسن الله إليكم، وهذا يقول: فضيلة الشيخ حدث لدي لبس حول كلام المؤلف بلا اعتقاد كيف ما الفرق بين أن يعتقد المسلم أن صفات الله لا كيف لها أو أن يعتقد أن صفات الله لها كيف لكن لا نعلمه؟

ج: قولهم بلا كيف، يعني لا تسأل عن الكيفية ولا تكيفوها، يذكرون في العقيدة قولهم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تأويل، فقولهم ولا تكييف يحتمل أمرين: الأول السؤال عن الكيفية، والثاني الإخبار بالكيفية، وكلاهما مراد، أي: لا تسألوا ولا تساءلوا فيما بينكم، وتقولون: ما كيفية استواء الله تعالى؟ ما كيفية يد الله؟ ما كيفية نزوله؟ لا تسألوا عن ذلك، فإن ذلك محجوب عنكم، وكذلك أيضا لا تكيفوا، لا تقولوا كيفية النزول كذا وكذا، وكيفية الرؤية كذا وكذا، وكيفية الاستواء كذا وكذا، فإن ذلك تكييف ليس عليه دليل.

س: فضيلة الشيخ يقول بعضهم: إن جلوس الله تعالى على عرشه ثابت من حيث الدليل، وهو في تفسير المقام المحمود، وأنه فُسر بأحد القولين أنه أجلسه أي: محمد على العرش معه، أفيدونا مأجورين؟

ج: هكذا روي عن مجاهد في تفسير المقام المحمود ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (130) يجلسه على العرش ولكن ليس فيه كيفية جلوس الله تعالى أو كيفية استواء الله، إنما فيه أن الله يجلس محمدا على العرش معه.

أولًا هذا الأثر ضعيف؛ لأنه من رواية الليث بن أبي سليم، ولكن مع ذلك قد صححه وبالغ في تصحيحه كثير من العلماء، ورووا هذا الأثر أيضا عن غير مجاهد، يعني أن جماعة من المفسرين من السلف فسروه بذلك فسروه بذلك فسروا المقام المحمود بالجلوس على العرش.

وثانيا: المشهور أن المقام المحمود هو الشفاعة ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (130) يعني: أن ينيلك الشفاعة في يوم القيامة، فيكون ذلك سببا في رفع مقامك وشهرتك عند الناس، واعتراف الأمم السابقة بفضلك وبميزتك التي فضلك الله بها، هذا هو المشهور في تفسير المقام المحمود.

وبكل حال لا مانع من أن يجلسه الله على العرش، وليس في ذلك تكييف لجلوس الله تعالى، إذا أجلسه على العرش فليس فيه تكييف لجلوس الله تعالى، أو لاستوائه على العرش.

س: وهذا يقول: فضيلة الشيخ أعرف أن نفي الصفة فقط نقص لله عز وجل فلا بد من إثبات فقد أشكل علي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً (131) الآية؟

ج: لا إشكال في ذلك فهنا نفي الحياء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا (131) وكذلك أيضا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ (132) فهنا نفي الاستحياء؛ وذلك لأن الاستحياء هنا يراد به الخوف والخجل ونحو ذلك.

فالله تعالى نفى عن نفسه هذا الأمر وأخبر بأنه يخبر بما عليكم فيه حق، ولو كان النبي يستحيي منكم النبي -عليه السلام- يستحيي منهم أن ينهرهم وأن يقيمهم، والله تعالى لا يستحيي من الحق، فالحاصل أن نفي الاستحياء نفي لهذه الصفة التي قد يكون فيها شيء من النقص، أو قد يكون فيها شيء من التنقص، وليس في ذلك نفي لبقية الصفات.

س: وهذا يقول: فضيلة الشيخ وردت صفة اليد بصيغة الإفراد والتثنية والجمع فيكف نجمع بينها؟

ج: أما الإفراد في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ (114) فالمراد باليد هنا الجنس، جنس اليد، وذلك لأنه لا يستغرب أن يقال مثلا فلان يده ندية، ولو كانت يده ندية يعني بالعطاء فيراد جنس اليد، ولا يفهم منه أنه ليس لله إلا يد واحدة، وأما الجمع فالجمع للتعظيم ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا (133) الجمع هنا للتعظيم؛ وذلك لأن الله تعالى ذكر الضمير بلفظ الجمع في قوله "أيدينا" ولم يقل أيديَّ بل أضاف الضمير إلى الجمع.

كما أنه يصف نفسه بضمير الجمع مثل قوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا (134) هذا للتعظيم ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ (135) ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ (136) ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ (137) الضمائر التي تُجمع هنا للتعظيم، فالإفراد يراد به الجنس، والتثنية يراد بها الحقيقة، يعني أن لله تعالى يدان، والجمع يراد به التعظيم.

س: وهذا يقول: فضيلة الشيخ كيف نجمع بين قول المؤلف "ولا معنى دعاه إلى خلقهم" وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (138) ؟

ج: يعني الحكمة في خلق الجن والإنس هي الأمر بالعبادة، ولكن ليس فيها دليل على أنه محتاج إلى عبادتهم، ولا أن عبادتهم تنفعه، أو تزيد في ملكه أو نحو ذلك، بل هو الغني وهم الفقراء، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (139) فالله تعالى أخبر بأنه خلق الخلق ليعبدوه، والمعنى: خلقهم ليأمرهم وينهاهم، خلقهم ليمتحنهم وليكلفهم، فمنهم من عبد ومنهم من لم يعبد، اللام هنا يقال لها لام التعليل، العلة في خلقهم هو الأمر بعبادتهم، فليس فيها دليل على أنه ينتفع بعبادتهم وأن ترك العبادة تضره كما ذُكر في الآيات.

س: وهذا يقول: فضيلة الشيخ هل إذا أخطأ الخطيب في آية لي أن أرد عليه؟

ج: يمكن إذا تلعثم الخطيب في حالة الخطبة يجوز أن ينبَّه حتى يستمر في خطبته، لكن الأصل أن الخطيب إذا كان يخطب ارتجالا، فإنه إذا غلط في آية تجاوزها إذا أُرتِج عليه، وقرأ ما بعدها ولا يحتاج إلى أنه يتكلم معه، لأن الكلام معه قد يشوش على الحاضرين، وبكل حال لا مانع إذا احتاج إلى من يرد عليه يعني يفتح عليه حتى يستمر في خطبته، وأما إذا غلط وقدم كلمة أو أخرها فينبه على ذلك بعد الصلاة.

س: وهذا يقول: فضيلة الشيخ عندي أخ لا يصلي وهو منهمك في المعاصي فهل يجوز لي أن آكل معه وأن أجالسه وأن أضاحكه تأليفا لقلبه؟

ج: عليك الإكثار من نصحه وتخويفه وتهديده وتحذيره، وعليك أيضا تأليفه وترقيق قلبه والتقرب إليه وإرسال من ينصحه، ومن يرشده لعله يتقبل وينيب، لكن إذا رأيت منه إصرارا واستكبارا وعدم تقبل، فليس لك في هذه الحالة أن تبقى معه، بل أظهِر له الكراهية والمقت والبغض، لعله يكون ذلك رادعا له عن هذه المعاصي، ونشير عليك أن ترفع بأمره إلى من يعاقبه حتى ينزجر وينزجر أمثاله.

س: وهذا يقول، فضيلة الشيخ أنا شاب أريد أن أخطب إحدى النساء مع علمي أن أحد إخواني خطبها ولم يُرد عليه بالإيجاب أو الرفض فهل لي ذلك؟

ج: ليس لك ذلك حتى يُرد حتى يظهر الرد لعموم « لا يخطب على خطبة أخيه »(140) فما دام أنه خطب وتقدم وسكت أهلها ولم يقولوا: مقبول أو مردود، فإنك تتوقف حتى يظهر الرد وفي النساء كثرة.

س: وهذا يقول: فضيلة الشيخ يقول: اعلم أنا نحبك في الله، ثم إنه هل من السنة عرض الرجل وليته على الرجل الصالح؟ هل للرجل عرض وليته على الرجل الصالح؟

ج: لا مانع من ذلك، إذا رأى رجلا صالحا وكان عنده مولية يحب أن يجد لها كفئا كريما، أن يعرضها كما عرض عمر -رضي الله عنه- ابنته على عثمان وعلى أبي بكر قبل أن يخطبها النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا مانع من ذلك.

س: وهذا يقول: بعض المشركين يدعي أنه يخلق خلقا كخلق الله، وذلك بعملية طفل الأنابيب فبماذا يجاب عليهم؟

ج: ليس هذا مثل خلق الله، وليس هذا خلق لهم، كونهم مثلا يعملون هذا لا يستطيعون أن يخلقوه في غير الرحم، ولا من غير المني، فالمني هو خلق الله تعالى، والرحم والبويضة التي في المرأة هي خلق الله، فلا يقدرون على أن يستقلوا به، بأن يخلقوا إنسانا من غير رحم، ومن غير مني ونحو ذلك، هذا الذي أرادوا، أما إجراء هذه العملية فليس في ذلك غرابة.

س: وهذا يقول: هل ورد في زيارة المؤمنين لربهم حديث صحيح؟

ج: أحاديث الرؤية ذكرها ابن القيم في حادي الأرواح، وأنهم يزورون ربهم كل جمعة، ومنهم من ينظر إلى ربه بكرة وعشيا، مجموع الأحاديث يدل على أنها صحيحة ومشهورة.

س: وهذا يقول: هل اسم الهادي والمقصود من أسماء الله الحسنى؟

ج: اشتهرت التسمية بها، أو التعبيد لها عبد المقصود وعبد الهادي، فنقول على الإطلاق الله تعالى هو الهادي، الذي لا يصلح عند الإطلاق الاسم إلا له، وإن كان يطلق على الإنسان ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي (141) وكذلك قوله: ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (142) وكذلك قوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (143) ولكن هناك فرق بين الهادي مُعرَّفا، وبين هادٍ منكرة، فعند الإطلاق يصح يقال: الله هو الهادي، وكذلك المقصود معناه أنه الذي تقصده القلوب وتتوجه إليه الرغبات.

س: وهل الساتر من أسماء الله في قول بعضهم يا ساتر؟

ج: نسمع هذه الكلمة، فمنهم من يقول: نقتصر على الوارد في حديث « إن الله ستير يحب الستر »(144) فيقولون: نسميه ب "الستير" ولا نسميه بالساتر، لأنه لم يرِد، ولكن الأقرب أنه عند الإطلاق الله هو الستار وهو الساتر وهو الستير عند الإطلاق، فيصلح أن يسمي الله تعالى بذلك، وإن كان المخلوق يوصف بذلك من باب الفعل أن الإنسان يستر على أخيه « من ستر مسلما ستره الله »(145) .

س: وهذا يقول: فضيلة الشيخ هل يفسر الاستواء المعدى ب إلى بالقصد؟

ج: في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ (146) فسره بعضهم كما نقل ابن كثير في سورة البقرة أن المراد القصد ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ (146) يعني: قصد إلى السماء، ولكن الأولى أن يفسر بالعلو، أي: ارتفع إلى السماء ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ (146) .

وأنكر ابن جرير في التفسير على من قال أقبل ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ (146) أقبل فقال: وهل كان معرضا قبل ذلك؟ وهل كان صادا حتى أقبل فرجح أنه العلو، وابن كثير ذكر الإقبال وأقره، أقبل إليها ولكن لا يستلزم أنه كان معرضا عنها.

س: وهذا يقول: فضيلة الشيخ يكثر في هذه الأيام سفر بعض العائلات وقد يبقى بعض أولادهم المتزوجين مع أحد الأولاد غير المتزوجين، والسؤال ما حكم جلوس الولد غير المتزوج مع زوجة أخيه، عندما يكون في عمله مع العلم أنها تكون في داخل المنزل، ويكون هو في الملحق الخارجي؟

ج: يفضل البعد عن الأماكن التي فيها ريبة وفيها محذور، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: « إياكم والدخول على النساء، قالوا يا رسول الله: أرأيت الحمو؟ قال الحمو الموت »(147) ولكن إذا كان النساء ليس يختلطن بالرجال بل هن في مكان ناءٍ بعيد منعزلات عن الرجل، والرجل بعيد عنهن وبينه وبينهن أبواب مغلقه، فلعل ذلك يرخص فيه للحاجة.

أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ وجعل ما قلتم في ميزان حسناتكم، والله أعلم وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قد مر بنا ما ذكره المؤلف -رحمه الله- من أن الله تعالى موصوف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به نبيه -صلى الله عليه وسلم- وهذه العبارة يكررها أهل السنة في عقائدهم، ثم بعد ذلك يفصلون.

فإنه هنا ذكر بعض الصفات الفعلية وبعض الصفات الذاتية، فذكر صفة اليد وهي من الصفات الذاتية، وصفة الاستواء وهي من الصفات الفعلية، كذلك أيضا ذكر الصفات السلبية بعض الصفات السلبية مثل قوله: "لا يعجزه شيء" هذا من الصفات السلبية صفات النفي، لا يوصف بما فيه نقص أو عيب أو آفة، هذا من الصفات السلبية.

وقد ذكر العلماء أن الله تعالى بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل، وذلك لأن الإثبات مقصود لذاته، فلأجل ذلك فصل في الإثبات، أثبت الله تعالى لنفسه النفس في قوله: ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (148) وأثبت صفة اليد في قوله: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ (114) وصفة الوجه في قوله: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (149) .

وأثبت العزة والحكمة والرحمة، وأثبت صفات الفعل الفعلية، كالمجيء والإتيان وأثبت العلم والقدرة والسمع والبصر، وأثبت الصفات الفعلية أيضا كالمكر والكيد والعجب وما أشبهها، وكذلك أيضا في الأحاديث، يسمى هذا تفصيلا يعني: أن الله تعالى فصل في الإثبات، بحيث ذكر الصفات المثبتة كلها على وجه التفصيل.

وأما صفات السلب، فإنه ذكرها على وجه الإجمال كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (150) ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (151) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (152) وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ (153) وكقوله: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (129) وكقوله: ﴿ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ (154) ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا (49) وأشباه ذلك من الصفات السلبية التي نفى الله تعالى عن نفسه النقائص.

وقد ذكر أيضا شيخ الإسلام أن الله تعالى لا يوصف بالصفات السلبية، إلا إذا تضمنت إثباتا، فإن الله نفى عن نفسه الكفر والند والمثل والسميّ، وذلك دليل إثبات الأحدية وإثبات التفرد، يعني إذا نفينا هذه الأشياء أثبتنا أنه واحد أحد وفرد صمد، وكذلك إذا نفينا العجز، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ (153) أثبتنا أو كان ذلك دليلا على إثبات القدرة كمال القدرة، وكذلك بقية الصفات السلبية.

ثم نقول بعد ذلك: إن المبتدعة عكسوا الأمر كالمعتزلة، فهم يفصلون في النفي ويجملون في الإثبات، كما ذُكر ذلك في معتقداتهم، فهم يفصلون في صفات السلب، فيقولون: ننزه الله -في زعمهم أنهم ينزهون الله- ننزه الله عن أن يكون فوق أو تحت، أو يمين أو يسار، أو أمام أو خلف، وننزهه عن الحدود والأعراض والأبعاض والأجسام والحيز والجهة، وننزهه عن الجهل، وعن كذا وكذا.

فيفصلون في النفي ولا يثبتون إلا إثباتا مجملا مطلقا، بشرط الإطلاق، فيثبتون الوجود فقط -وجود مطلق- بشرط الإطلاق، ولا شك أن هذا التفصيل لا دليل لهم عليه، فلذلك كان من جملة ما ابتدعه المبتدعون، ومن ذلك ما سوف ننبه عليه الآن.

الآن نواصل القراءة يقرأ هشام الشعلان رقم ستة.


(1) مسلم : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699) , والترمذي : العلم (2646) , وأحمد (2/252) , والدارمي : المقدمة (344).
(2) الترمذي : العلم (2682) , وأبو داود : العلم (3641) , وابن ماجه : المقدمة (223) , وأحمد (5/196).
(3) الترمذي : الدعوات (3535) , والنسائي : الطهارة (158) , وأحمد (4/239).
(4) البخاري : أحاديث الأنبياء (3442) , ومسلم : الفضائل (2365) , وأبو داود : السنة (4675) , وأحمد (2/463).
(5) سورة المائدة: 48
(6)
(7) سورة الحج: 11
(8) الترمذي : الزهد (2399) , وأحمد (2/450).
(9) الترمذي : الزهد (2398) , وابن ماجه : الفتن (4023) , وأحمد (1/180) , والدارمي : الرقاق (2783).
(10) سورة آل عمران: 186
(11) سورة العنكبوت: 11
(12) سورة العنكبوت: 2 - 3
(13) البخاري : الشهادات (2652) , ومسلم : فضائل الصحابة (2533) , والترمذي : المناقب (3859) , وابن ماجه : الأحكام (2362) , وأحمد (1/434).
(14) سورة البقرة: 9
(15) سورة البقرة: 8
(16) سورة الصف: 5
(17) مسلم : الإمارة (1920) , والترمذي : الفتن (2229) , وأبو داود : الفتن والملاحم (4252) , وابن ماجه : الفتن (3952) , وأحمد (5/279).
(18) سورة الكهف: 21
(19) سورة الكهف: 13 - 14
(20) سورة الكهف: 15
(21) سورة الكهف: 16
(22) سورة الكهف: 20
(23) سورة المائدة: 5
(24) البخاري : استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (6930) , ومسلم : الزكاة (1066) , والنسائي : تحريم الدم (4102) , وأبو داود : السنة (4767) , وأحمد (1/131).
(25) البخاري : المناقب (3610) , ومسلم : الزكاة (1064) , والنسائي : الزكاة (2578) , وأبو داود : السنة (4764) , وأحمد (3/4).
(26) البخاري : التوحيد (7432) , ومسلم : الزكاة (1064) , والنسائي : الزكاة (2578) , وأبو داود : السنة (4764) , وأحمد (3/68).
(27) أحمد (3/65).
(28) سورة التوبة: 6
(29) سورة الفتح: 15
(30) سورة البقرة: 75
(31) سورة الفاتحة: 5
(32) البخاري : الأدب (6000) , ومسلم : التوبة (2752) , والترمذي : الدعوات (3541) , وابن ماجه : الزهد (4293) , وأحمد (2/514) , والدارمي : الرقاق (2785).
(33) البخاري : الأدب (5997) , ومسلم : الفضائل (2318) , والترمذي : البر والصلة (1911) , وأبو داود : الأدب (5218) , وأحمد (2/269).
(34) البخاري : الأدب (5998) , ومسلم : الفضائل (2317) , وابن ماجه : الأدب (3665) , وأحمد (6/56).
(35) سورة العنكبوت: 21
(36) سورة الأنعام: 54
(37) سورة الأعراف: 156
(38) البخاري : الاعتصام بالكتاب والسنة (7320) , ومسلم : العلم (2669) , وأحمد (3/84).
(39) الترمذي : الفتن (2180) , وأحمد (5/218).
(40) البخاري : المناقب (3606) , ومسلم : الإمارة (1847) , وأبو داود : الفتن والملاحم (4244) , وابن ماجه : الفتن (3979) , وأحمد (5/386).
(41) الترمذي : الفتن (2165).
(42) الترمذي : العلم (2658).
(43) مسلم : الإيمان (8) , والترمذي : الإيمان (2610) , والنسائي : الإيمان وشرائعه (4990) , وأبو داود : السنة (4695) , وابن ماجه : المقدمة (63) , وأحمد (1/52).
(44) البخاري : الأدب (6018) , ومسلم : الإيمان (47) , وأحمد (2/433).
(45) البخاري : الجنائز (1282) , ومسلم : الطلاق (1486) , والترمذي : الطلاق (1195) , والنسائي : الطلاق (3533) , وأبو داود : الطلاق (2299) , وابن ماجه : الطلاق (2084) , وأحمد (6/326) , ومالك : الطلاق (1269) , والدارمي : الطلاق (2284).
(46) سورة البقرة: 21 - 22
(47) سورة البقرة: 28
(48) سورة البقرة: 21
(49) سورة البقرة: 22
(50) سورة الذاريات: 20 - 21
(51) سورة الرعد: 16
(52) سورة الأنعام: 102
(53) سورة طه: 50
(54) سورة لقمان: 11
(55) البخاري : التوحيد (7559) , ومسلم : اللباس والزينة (2111) , وأحمد (2/232).
(56) سورة الأنبياء: 19
(57) سورة الأنبياء: 20
(58) سورة الأنبياء: 26- 27
(59) سورة الأنبياء: 28
(60) سورة التحريم: 6
(61) سورة فصلت: 38
(62) سورة الأعراف: 206
(63) الترمذي : الزهد (2312) , وابن ماجه : الزهد (4190) , وأحمد (5/173).
(64) سورة البقرة: 30
(65) سورة الزمر: 71
(66) سورة الرعد: 11
(67) البخاري : مواقيت الصلاة (555) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (632) , والنسائي : الصلاة (485) , وأحمد (2/486) , ومالك : النداء للصلاة (413).
(68) سورة فصلت: 42
(69) سورة النساء: 82
(70) سورة فاطر: 1
(71) سورة النساء: 165
(72) سورة النساء: 164
(73) أحمد (5/265).
(74) سورة غافر: 78
(75) سورة فاطر: 32
(76) سورة الحجر: 9
(77) سورة الأعراف: 3
(78) أبو داود : السنة (4604).
(79) سورة الأنعام: 61
(80) أحمد (4/287).
(81) مسلم : القدر (2653) , والترمذي : القدر (2156) , وأحمد (2/169).
(82) الترمذي : القدر (2139).
(83) البخاري : الأدب (5986) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2557) , وأبو داود : الزكاة (1693) , وأحمد (3/229).
(84) البخاري : تفسير القرآن (4949) , ومسلم : القدر (2647) , والترمذي : تفسير القرآن (3344) , وأبو داود : السنة (4694) , وابن ماجه : المقدمة (78) , وأحمد (1/129).
(85) سورة النحل: 36
(86) البخاري : الأذان (659) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (649) , وأبو داود : الصلاة (559) , ومالك : النداء للصلاة (383).
(87) البخاري : الأذان (647) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (649) , وأبو داود : الصلاة (559) , وأحمد (2/252) , ومالك : النداء للصلاة (385).
(88) الترمذي : البر والصلة (1907) , وأبو داود : الزكاة (1694) , وأحمد (1/191).
(89) سورة آل عمران: 31
(90) سورة الأحزاب: 21
(91) سورة الأعراف: 158
(92) سورة محمد: 14
(93) سورة الجاثية: 23
(94) سورة النور: 54
(95) سورة الشورى: 52 - 53
(96) سورة الأنعام: 153
(97) ابن ماجه : المقدمة (11) , وأحمد (3/397).
(98) سورة النور: 63
(99) سورة النور: 62
(100) سورة الأعراف: 180
(101) البخاري : الشروط (2736) , ومسلم : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2677) , وأحمد (2/267).
(102) أحمد (1/391).
(103) أحمد (1/391).
(104) البخاري : تفسير القرآن (4826) , ومسلم : الألفاظ من الأدب وغيرها (2246) , وأبو داود : الأدب (5274) , وأحمد (2/238).
(105) سورة النساء: 142
(106) سورة البقرة: 15
(107) سورة الطارق: 16
(108) سورة الفجر: 22
(109) سورة البقرة: 210
(110) سورة الحشر: 3
(111) سورة الزخرف: 55
(112) سورة ص: 75
(113) سورة المائدة: 64
(114) سورة الملك: 1
(115) سورة آل عمران: 26
(116) سورة الزمر: 67
(117) سورة الإسراء: 29
(118) سورة البقرة: 255
(119) سورة طه: 5
(120) سورة الأعراف: 54
(121) سورة المائدة: 110
(122) سورة الحج: 73
(123) مسلم : البر والصلة والآداب (2577) , وأحمد (5/160).
(124) سورة الكهف: 7
(125) سورة الملك: 2
(126) سورة هود: 107
(127) سورة الأنبياء: 23
(128) سورة الفرقان: 58
(129) سورة ق: 38
(130) سورة الإسراء: 79
(131) سورة البقرة: 26
(132) سورة الأحزاب: 53
(133) سورة يس: 71
(134) سورة الزخرف: 32
(135) سورة الكوثر: 1
(136) سورة النساء: 163
(137) سورة الفتح: 1
(138) سورة الذاريات: 56
(139) سورة فاطر: 15
(140) البخاري : البيوع (2140) , ومسلم : النكاح (1413) , والترمذي : النكاح (1134) , والنسائي : النكاح (3239) , وأبو داود : النكاح (2080) , وابن ماجه : النكاح (1867) , وأحمد (2/238) , ومالك : النكاح (1111) , والدارمي : النكاح (2175).
(141) سورة الشورى: 52
(142) سورة الرعد: 33
(143) سورة الرعد: 7
(144) النسائي : الغسل والتيمم (406) , وأبو داود : الحمام (4012) , وأحمد (4/224).
(145) البخاري : المظالم والغصب (2442) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2580) , والترمذي : الحدود (1426) , وأبو داود : الأدب (4893) , وأحمد (2/91).
(146) سورة البقرة: 29
(147) البخاري : النكاح (5232) , ومسلم : السلام (2172) , والترمذي : الرضاع (1171) , وأحمد (4/149) , والدارمي : الاستئذان (2642).
(148) سورة الأنعام: 12
(149) سورة القصص: 88
(150) سورة الشورى: 11
(151) سورة مريم: 65
(152) سورة الإخلاص: 4
(153) سورة فاطر: 44
(154) سورة النحل: 74